مصر

خلف كواليس المهنة: حماية الصحفيات العراقيات ومعركة حرية التعبير الرقمي والميداني الصعبة

تنطلق واقع التجربة الصحفية النسوية في بلاد الرافدين عبر مسارات وعرة لا تتوقف عند حدود النصوص التشريعية المكتوبة، بل تمتد لتلامس مدى كفاءة الهيئات والمؤسسات الرسمية في تأمين مظلة وقاية حقيقية وتفعيل آليات المحاسبة الصارمة لكل من تسول له نفسه توريث التهديدات والاعتداءات المستمرة. تتقاطع أمام الإعلاميات العراقيات منظومة معقدة من التحديات المشتعلة التي تقيد انطلاقتهن بحرية ومأمونية، متسللة من طوق القيود الأسرية والمجتمعية الضاغطة نحو الأسوار السياسية والقانونية المنيعة، وصولاً إلى أروقة الفضاء الرقمي المليئة بمخاطر التنمر والتشهير وحملات الابتزاز الممنهجة.

تتحرك الكوادر النسوية الإعلامية في بيئة مهنية بالغة التعقيد والخطورة، برغم وجود منظومة تشريعية ولوائح تنظيمية تفترض نظرياً توفير الحماية اللازمة لسلامتهن، إلا أن تكدس الملفات العالقة دون حسم قضائي رادع وانهيار درجات الثقة بجهات إنفاذ القانون يفرضان علامات استفهام كبرى حول أفق قدرة الصحفية على مزاولة مهنتها بعيداً عن هواجس الخوف والترهيب. ترصد الصحفية رنا خالد طبيعة الأعباء المضاعفة الملقاة على كاهل الإعلاميات، والتي تجمع بين الإكراهات الاجتماعية والملاحقات القانونية وتحديات المشهد السياسي، متوازية مع الأعباء الأسرية الحتمية التي تضاعف من وطأة العمل الميداني والمهني.

تسلط الشواهد الميدانية الضوء على نزوع أعداد واسعة من الصحفيات نحو الهروب من حقول التغطية السياسية والقانونية الملتهبة، مفضلات اللجوء إلى فضاءات الصحافة الاجتماعية والثقافية والأدبية، هرباً من متطلبات الشأن السياسي التي تلتهم الوقت والجهد وتتطلب قدرات استثنائية لمجابهة الضغوط في ظل بيئة سياسية شديدة التقلب. تعكس هذه التحولات حقيقة أن سقوف حرية التعبير المتاحة للإعلاميات لم تبلغ مرحلة الإطلاق، حيث تتكفل ممارسات التشويه والتنمر والطعن في السمعة بزرع الهلع في نفوس العاملات بالمجال، مما يدفعهن نحو الانكفاء الاختياري أو حتى مغادرة المهنة برمتها.

تؤكد المعطيات القائمة أن الدروع التشريعية المتاحة تظل قاصرة عن بلوغ الحد الكافي للطمأنينة، في ظل استمرار بقاء قضايا جوهرية دون بت نهائي، واجتياح الشلالات الرقمية من الشائعات والأكاذيب عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يصعّب بصورة بالغَة ملاحقة الحقائق وكشف الملابسات الفعلية لما تتعرض له الكوادر النسوية. تبرز شهادة الصحفية وداد إبراهيم لتفتح نافذة على مسارات مغايرة عبر الانخراط الفعلي منذ عام ألفين وعشرين ضمن مبادرة كسر حاجز الصمت التي قادتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بتنسيق مشترك مع وزارتي العدل والداخلية.

توضح التجربة العملية لمشروع كسر حاجز الصمت أهمية الانخراط في ورش عمل ولقاءات مكثفة مع خبراء القانون للتعرف بدقة على المتغيرات التشريعية واللوائح الناظمة للعمل الإعلامي النسوي، مع التأكيد على ضرورة ممارسة حرية الشارع ضمن نطاق قانوني منضبط يحفظ الحقوق ويراعي الأعراف المجتمعية المرعية. تولى البرنامج اهتماماً بالغاً بملف الإفلات من العقاب لا سيما في جرائم التهديد الموجهة ضد الصحفيات، حيث استحدث منصة رقمية متخصصة لتوثيق التهديدات ومتابعة مساراتها القانونية بدلاً من الاضطرار للتوجه المباشر نحو مخافر الشرطة.

أظهرت نتائج الاستطلاعات الميدانية المنفذة بين أوساط الصحفيات تراجعاً ملحوظاً في مؤشرات الثقة بمراكز الشرطة التقليدية حال التعرض للتهديد، مما استدعى اعتماد آليات رقمية ومؤسسية أكثر أماناً لتسجيل الانتهاكات ومتابعة مجرياتها بدقة واهتمام بالغين. تشكل منظومة الحماية وملاحقة المتورطين بالتهديد ركيزة محورية لا غنى عنها لضمان ديمومة حرية الصحافة، سيما أن المنصة الرقمية تضم في عضويتها أكثر من مئة وثمانين صحفية وتوفر قنوات تواصل آمنة للتدخل السريع والمتابعة الفورية.

تطرح الواقعة المعاش للصحفيات تساؤلات مصيرية متجددة بشأن الحدود الفاصلة لحرية التعبير، وكفاءة المظلات القانونية، وفاعلية المؤسسات الرسمية والأهلية في طي صفحة الانتهاكات والتهديدات المتكررة التي تطارد العاملات في الحقل الإعلامي. تتقاطع خيوط الضغط المجتمعي والمهني مع مخاطر الإرهاب الإلكتروني والميداني، لتبقى معادلة صيانة أمن الصحفية ومحاسبة المعتدين هي الشرط الجوهري والأساسي لإنضاج بيئة صحفية أكثر حرية وأماناً واستقراراً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى