مقالات وآراء

د.عمرو هاشم ربيع: كيف خرب المصريون الرقابة البرلمانية بأيديهم؟

0:00 / –:–

بعد مرور عقد تقريبا من بدء أعمال السلطة التشريعية في 2015/2016 بعد أن انتهت الفترة الانتقالية في الرئاسة المصرية عقب أحداث 30يوينو2013، وبعد أن عُدل دستور 2012 ليقر وضع دستوري آخر، لم يستطع مجلس النواب أن يكون صوتا ممثلا تمثيلا حقيقيا لأعضاءه المنتخبين، ولم يعُد المجلس قادرا على أن يكون وسيلة لتداول سلمي للسلطة، لكونه أصبحا مكرسا للسلطة القائمة لعقد ونيف. إضافة إلى ذلك، لم يستطع مجلس النواب أن يكون ظهيرا لحقوق الإنسان، أو للمزيد من فتح أبواب المجال العام.

وللسلطة التشريعية وظائف عديدة، فإلى جانب الوظائف السياسية كالتمثيل والتجنيد السياسي، ودعم الشرعية، والإندماج القومي، هناك وظيفتين فنيتين أساسيتين، هما التشريع والرقابة.

التشريع هو الوظيفة الأصلية للبرلمان، أما الرقابة فهي من أقدم الوظائف، وتهدف إلى عدم خلق حكومات مستبدة، عبر نقد الحكومة والرقابة على الإدارة ومتابعة تنفيذ القوانين السارية، واستحسان الموازنة العامة، ومحاكمة مسئولي السلطة التنفيذية، وإسماع مسئولي السلطة المطالب العامة.

القائمون بالرقابة في مجلس النواب

والقائمون بالرقابة هم أهم عنصر من عناصر الرقابة، فبدونهم لا تتم الرقابة، وهؤلاء يقومون بوجباتهم من خلال اللجان البرلمانية ومن خلال مساعدين عموميين أو خاصين. ويتحكم في شكل كل هؤلاء النظام الانتخابي. لذلك نجد في الحالة المصرية أن الرقابة تتوقف دوما على طريقة اختيار النواب، فإذا كانت السلطة تتحكم في تلك الاختيارات كما هو متبع في النظام الانتخابي الحالي القائم على تزوير إرادة الناخبين بالقوائم المطلقة المعيبة، التي تجعل تضيف بطاقات القوى التي حصلت على 49% من الأصوات إلى القوى التي حصلت على 51% منها، فتجعل القوى الأخيرة تحصل على 100% من المقاعد، (إذا كانت السلطة تتحكم في ذلك) فلا يتوقع الكثير من الأداء الحسن للرقابة في مجلس النواب في مصر.

واحد من أهم نجاح القائمين بالرقابة في أداء تلك الوظيفة، هو تصور القائم بالرقابة لدوره الرقابي، وهو أمر معتمد على نشأته ونظرته للمجتمع ومدى ديمقراطية تربيته الاجتماعية. وفي مصر تتأثر تلك الأمور بوسائل التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة. المهنة أيضا عامل مهم، وكذلك السن، والحزب. لكن يبقى النظام السياسي من حيث كونه ديمقراطيا أم شموليا أم تسلطيا هو الذي يتيح الفرصة للمجلس ونوابه للعمل التشريعي والرقابي بكفاءة. في مصر تكون نظرة النواب دوما لكون الدولة خلال العقود الثمانية الماضية غير مدنية (دينية أو عسكرية)، تجعل (تلك النظرة) القائم بالرقابة مُتوجس من نتائج محاسبته للسلطة، خاصة وأن المعلومات التي تساعده على الرقابة شحيحة، والبحث عنها مضني، وهو أمر واقع في ظل غياب قانون تداول المعلومات.

أدوات الرقابة البرلمانية

وأدوات الرقابة منها الفردي كالسؤال ومنها الجماعي كلجان تقصى الحقائق، وهذه الوسائل تتسم بالتنوع. فمنها الأسئلة وهي استفهام، ومنها الاستجواب وهو يحمل مبدأ المسئولية الوزارية الفردية والجماعية، مرورا بطلبات الإحاطة ولجان تقصى الحقائق ولجان الاستماع. في البرلمان المصري ونظرا إلى أن الرقابة عادة تعنى حرج المراقب من الحكومة أو لربما الخوف منها لعدم خشية إثارة قلقها، فعادة ما يكون السؤال هو الوسيلة الرئيسة للرقابة. ويكثُر استخدام السؤال بسبب غيبة المجالس المحلية، والتي جعلت نائب البرلمان يحل محل عضو المجالس المحلية. ولأن النظام الانتخابي الحالي هو نظام أغلبي، أي يعتمد على الجهوية، فإن الأسئلة تعتمد على المطالب الجهوية والجغرافية، ما يجعلها غير مرتبطة بالسياسات أو القضايا العامة.

يزداد الأمر وطأة في الوسائل الأكثر أهمية كلجان تقصى الحقائق أو الاستجوابات. فلأن المجال العام يتسم بالإنغلاق شبة المحكم، ولأن الخلل في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية مُستحكم لصالح السلطة الأولى، فإن هذين الأسلوبين الرقابيين غير مستخدمين، رغم أن الدستور يتيح للنواب ذلك. هنا يتحتم الإشارة إلى عجز مجلس النواب عن محاسبة الحكومة، خاصة مع كثرة المشكلات والقضايا المرتبطة بالشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وكلها مليئة بعشرات القضايا الفرعية التي يأن منها المجتمع والدولة على حد سواء. أنظر على سبيل المثال لمشكلة الدروس الخصوصية، وتسريب الامتحانات، وعدم تعيين المدرسين والتعامل مع أجورهم بالحصة، وشح الأسمدة، وأزمة الأعلاف، وأسعار الطاقة، ومشكلات السياحة، وأزمة الغذاء، وشح المياة، وتدهور مناخ حقوق الإنسان بكافة جوانبه، وتدني فقه أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأزمة المرور وحوادث الطرق، وأوضاع اللاجئين في مصر، وضرب ميناء دمياط، وإنشاء الدولة جامعة كيان الخاصة رغم أن الدستور يمنع ذلك، وعدم عقد انتخابات المحليات، وعدم صدور قانون منع ندب القضاة وتداول المعلومات ومنع التمييز، وتزوير انتخابات البرلمان واعتراض رئيس الجمهورية عليها…إلخ.

الخاضعون للرقابة البرلمانية

على العكس مما سبق -ومن التجارب الدولية- فإن الخاضع للرقابة هنا في مصر يبدو أنه في مركز قوى. فهو القابض على السلطة، وهو المتحكم في الأغلبية البرلمانية، وهو من يتحكم بشكل غير مباشر في إدارة أعمال جلسة البرلمان. لذلك، فإن الخاضعين للرقابة أو المحاسبة هنا هم الحكومة بكافة أركان مجلس وزراءها. وعلى الرغم من أنه يحق للبرلمان سحب الثقة من رئيس الجمهورية بعد شروط شديدة الوطأة(أنظر م161). كما يحق له تمرير قرارات رفضها رئيس الجمهورية لكن بموافقة الثلثين(أنظر م123). إلا أن كافة تلك المواقف مجرد أمور نظرية لا تمت للواقع بصلة.

ورغم أن الرئيس له حق البرلمان، بعد استفتاء، إلا أن نتيجة الاستفتاء لو أتت لصالح بقاء البرلمان يبقى الرئيس في موقعه، على عكس حالة سحب البرلمان الثقة من الرئيس التي إذا فشل الاستفتاء الذي يعقبها حل البرلمان وبقى الرئيس في منصبه(م137)!!

ولعل أبرز الأدلة على تهميش الرقابة البرلمانية لصالح الخاضعين لها، هو أن الخاضعين للرقابة من أعضاء الحكومة يعزفون عن حضور أغلب جلسات البرلمان، استشعارا منهم بسذاجة وسطحية المشهد برمته، ما يجعل مجرد كلمة رقابة برلمانية أمر يثير السخرية، لكونه غير واقعي رغم أن الدستور فتح الباب كثيرا لتقرير تلك الرقابة مقارنة بدستور1971، الذي استطاع النواب أن يخوضوا ذات مرة في الوسائل الرقابية القوية، وساروا بها لحد طلب سحب الثقة من الحكومة في الفصل التشريعي الخامس لمجلس الشعب.

الغرض من الرقابة البرلمانية

ولعل الهدف الرئيس من الرقابة البرلمانية هو السعي الحثيث لكبح جماح السلطة التنفيذية وعدم استبدادها، لذلك فإن الرقابة الجادة تتطلب وجود نظام ديمقراطي وغير تسلطي، ما يجعلها مرتبطة بطبيعة المجال العام وبيئة التفاعلات السياسية والواقع المعاش، والتربية الاجتماعية للناس الذين يكونوا قد اعتادوا منذ الأسرة والمدرسة وما تبعهما على نمط محاسبة المخطئ ومُسألة المسئولين وانتخاب غيرهم حال خطأهم ومعاقبة الفاسدين. وفي العلاقة بين السلطات، فإن الغرض من الرقابة هو مراقبة الإنفاق، وتعقب الفساد الحكومي، والحد من نفوذ التنفيذيين وتغيير السلطة التنفيذية إذا لزم الأمر، وقد يتم كل ذلك في إطار حزبي وإيديولوجي.

في حالة مصر ترتبط أغراض الرقابة بسبب طبيعة النظام الانتخابي الأغلبي بأهداف شخصية ولربما أحراز بطولات انتخابية وكارزما شعبية للقائمين بالرقابة، وهي في ظل النظام الانتخابي المعتمد على القوائم المطلقة ترتبط بوسائل محدودة التأثير، لأن غرض النائب سيظل هو العمل على رضاء من رشحه للبرلمان بغرض تجديد ترشيحه، ما يجعل الرقابة شكلية وكاريكاتيرية وهزلية كما هو واقع فعلا اليوم.

التحكم في وقت الرقابة

ولأن الرقابة البرلمانية مقيدة، فإنها من حيث التوقيت صادفت قيود قانونية للتحكم فيها. خذ على سبيل المثال أنه لا يمكن التقدم بوسائل رقابية قبل أن تقدم الحكومة الجديدة بيانها أمام البرلمان. خذ أيضا أنه عند مناقشة استجواب ما يتم دمج كافة وسائل الرقابة الأخرى المرتبطة بموضوع الاستجواب -في الجلسة المحددة لمناقشة الاستجواب- ما يجعل السلطة تلفت نظر “نواب الدولة” لتقديم طلبات رقابة محدودة التأثير كالأسئلة في ذات موضوع الاستجواب عند مناقشته، حتى يتم تقليص وقت مناقشة الاستجواب. خذ كذلك، أن الطلبات الرقابية تتعطل لعدة أسابيع لكون موضوعها معروض على اللجان الموضوعية…وهكذا. 

كيف نرتقى بالرقابة

هكذا تكون النتيجة المعروفة، وبها سيظل المخطئ على خطأه، بل ويفلت من العقاب والمحاسبة، وسيكون القائم بالرقابة كمن يطرق رأسه في حائط رخامي، لا جدوى من جهده سوى الشقاء والإحباط. ومن ثم يصبح الأمل محدود في جدوى الانتخابات والمؤسسة التشريعية والمشاركة السياسية برمتها، اللهم إلا لو غيرت السلطة التنفيذية من نهجها في التحكم في تركيبة عضوية البرلمان عبر الأنظمة الانتخابية الشائهة، وتم رفع القيود الإدارية المفروضة على مناقشة طلبات الرقابة، وألغي تحكم من هم خارج البرلمان في أعمال البرلمان عامة والرقابة خاصة، وانتهي إغداق النواب بالخدمات للحد من طلباتهم الرقابية، وانتهي تخويفهم بإسقاط العضوية عن هذا أو منع هذا من حضور الجلسات، أو طرد هذا من الجلسة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى