مصباح العلي يكتب: كيف تخلّى حزب الله عن السلطة؟

التساؤل المشروع، بعد العزلة الداخلية التي يعيشها حزب الله، والنكبة العسكرية والأمنية التي أصابته، لا يكمن فقط في حجم الخسائر التي مُني بها، بل في هذا الاستسهال المقلق للخيارات الاستراتيجية، والانزلاق المتدرج إلى مأزق سياسي وعسكري وأمني يبدو اليوم واسعاً إلى حد يصعب معه الخروج منه من دون أثمان كبيرة.
والأهم أن كل المواقف الغاضبة، ورفع سقف الخطاب السياسي، وإشهار سيف الحرب الداخلية، تبدو في هذه المرحلة أقرب إلى لزوم ما لا يلزم، بعدما تغيّرت موازين القوى جذرياً.
لعل مقولة السيد حسن نصرالله الشهيرة حول انتخاب رئيس للجمهورية، وأن المطلوب رئيس «تطمئن له المقاومة وتدير له ظهرها»، تشكل مفتاحاً أساسياً لفهم طريقة تفكير حزب الله في إدارة السلطة قبل الانخراط في حرب الإسناد ومفاعيلها الكارثية.
فالمشكلة لم تكن في اسم الرئيس وحده، بل في فلسفة سياسية قامت على اعتبار أن القرار الرئاسي والحكومي ينبغي أن يبقيا ضمن هامش لا يهدد نفوذ الحزب.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
إسرائيل عادت إلى احتلال أجزاء من الجنوب، وتبدلت قواعد الاشتباك، وتعرضت بنية الحزب العسكرية والأمنية لضربات قاسية، فيما فقد الحزب جزءاً كبيراً من قدرته على فرض إيقاعه السياسي الداخلي كما كان يفعل في السابق.
وهنا السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تعي قيادة حزب الله الحقيقة الكارثية التي وصلت إليها الأمور؟
وهل يصبح كل من يعترض على الخيارات السابقة صاحب فكر انهزامي، أم أن من حق اللبنانيين أن يسألوا عن تراكم الأخطاء في تقدير الموقف، وعن جدوى الانخراط في ساحات إقليمية متعددة، وعن النتائج التي انتهت إليها مغامرات عسكرية في سوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى حرب الإسناد التي نقلت لبنان إلى مرحلة بالغة الخطورة؟
ليس انتخاب جوزاف عون وحده الخطأ القاتل الذي ينبغي تحميله كل المسؤولية. المسألة أعمق من ذلك بكثير.
فالتمحيص الحقيقي يجب أن يطال جدوى هجمة التخوين الحالية ضد رئيس الجمهورية، واتهامه بالانقلاب على الاتفاق، والقول إن جوزاف عون وصل إلى الرئاسة باتفاق ثم انقلب عليه. هذه مقاربة تختزل السياسة في لعبة اتهامات، وتتجاهل أن وصول رئيس الجمهورية إلى موقعه كان نتيجة توازنات لبنانية وإقليمية ودولية جديدة، لم يكن حزب الله وحده صاحب القرار فيها.
والأمر نفسه ينطبق على تكليف نواف سلام، وما رافقه من خطاب عن «انقلاب حكومي» غير مسبوق. هذه مهزلة في السياسة أكثر مما هي قراءة واقعية للتحولات اللبنانية.
السؤال الحقيقي يجب أن يعود إلى الوراء: ما جدوى الفراغ الرئاسي الذي استمر طويلاً؟ ولماذا كان لا بد من انتظار وصول ميشال عون، شريك حزب الله في اتفاق مار مخايل، إلى قصر بعبدا؟
وماذا كانت كلفة ذلك الفراغ على لبنان، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى الاقتصاد، وعلى علاقات اللبنانيين ببعضهم البعض؟
ثم ماذا أنتجت سياسة المحاصصة السياسية والطائفية التي وصلت بالبلاد إلى انفجار 17 تشرين، قبل أن تتحول المواجهة مع الشارع إلى مشاهد قمع وهتافات مذهبية من نوع «شيعة، شيعة»؟ وهل كان ذلك ضرورياً لحماية المقاومة، أم أنه ساهم في تحويلها من مشروع مقاومة يحظى بتعاطف واسع إلى طرف سياسي شديد الاستقطاب؟
ثم نعود مرة أخرى إلى الفراغ الرئاسي، وإلى صعوبة التوافق مع الحليف المسيحي، في ظل الصراع على السلطة وتضخم طموحات جبران باسيل السياسية.
وهنا أيضاً يبرز سؤال لا يمكن الهروب منه: هل كان حزب الله يدير تحالفاته على أساس بناء دولة مستقرة، أم على أساس ضمان شبكة سياسية تحمي نفوذه؟
لقد كان اتفاق مار مخايل أحد أهم التحولات في الحياة السياسية اللبنانية، لكنه في النهاية لم ينتج دولة قوية، بل أنتج معادلة سياسية جعلت الحزب في موقع القوة، وجعلت حليفه المسيحي شريكاً أساسياً في حماية هذه المعادلة.
لكن التحالفات التي تُبنى على موازين القوة لا تبقى بالضرورة ثابتة عندما تتغير هذه الموازين.
وهذا هو جوهر المسألة اليوم.
حزب الله لم يفقد السلطة بقرار واحد، ولم يتخلَّ عنها طوعاً في لحظة محددة. بل إن سوء الخيارات المتراكمة هو الذي أفقده تدريجياً القدرة على الإمساك بمفاصل القرار اللبناني كما كان يفعل.
الانخراط الإقليمي، وتوسيع ساحات المواجهة، وإدارة الداخل بمنطق الغالب والمغلوب، وتعطيل الاستحقاقات الدستورية عندما لا تأتي النتائج وفق الحسابات المطلوبة، ثم الانتقال إلى خطاب التخوين عند تبدل المعادلات؛ كلها عوامل ساهمت، مجتمعة، في الوصول إلى اللحظة الراهنة.
والأخطر أن محاولة استعادة النفوذ المفقود عبر التهديد بالحرب الداخلية قد تكون أكثر الخيارات كلفة، لأن لبنان الذي خرج من الحرب الأهلية لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت أحد أنه ما زال قوياً.
القوة الحقيقية اليوم ليست في القدرة على تعطيل انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة، ولا في رفع سقف الخطاب المذهبي، ولا في التهديد بإعادة إنتاج الصدام الداخلي.
القوة هي في القدرة على قراءة التحولات.
وإذا كان حزب الله قد خسر جزءاً كبيراً من دوره الحاسم في السياسة اللبنانية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه ليس: من خاننا؟
بل: أين أخطأنا في قراءة لبنان والمنطقة؟
فالأزمات الكبرى لا تصنعها فقط قوة الخصوم، بل تصنعها أيضاً أخطاء الحلفاء وسوء تقدير أصحاب القرار.
وهذا تحديداً ما أوصل حزب الله، بعد سنوات من الإمساك بمفاصل القرار اللبناني، إلى موقع لم يكن يتخيله: محاصراً سياسياً، معزولاً داخلياً، ومضطراً إلى إعادة تعريف دوره وحدود قوته في لبنان.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
حزب الله لم يتخلَّ عن السلطة في لبنان بقرار منه؛ بل إن السلطة، بفعل تراكم أخطائه، بدأت تتخلى عنه.







