
إستراتيجية الإحتواء تفترض حصار النظام وتجفيف الينابيع التي تغذيه، كأسلوب وقائي في مواجهة الخطر، بينما استدعت الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط إلي مواجهة مباشرة مع الخطر نفسه
التأمل فيما آلت إليه سياسات الدول الكبري، يشير إلي أن إستراتيجية ” الإحتواء ” التي اتبعت ضد الإتحاد السوفييتي في النصف الأخير من القرن العشرين، قد فقدت البخار ، ولم تعد فعالة في أوضاع ما بعد انتهاء الحرب الباردة .
فبينما يمكن القول أن تلك السياسة وما اشتملت عليه من وسائل الحصار المختلفة، قد نجحت ولو بشكل جزئي في التعجيل بنهاية الإمبراطورية السوفييتية، فأنه من الصعب مقارنة هذا مع ” الإحتواء المزدوج ” للعراق وإيران في الربع الأخير من القرن العشرين، أو في استمرار فرض ” الإحتواء ” علي النظام الإيراني لفترة تقارب نصف قرن .
لقد سقط الإتحاد السوفييتي دون أن تطلق عليه طلقة واحدة – كما قيل –
ولكن احتواء إيران تطلب إضافة التدخل الخشن المتمثل في تآمر عسكري بين أمريكا والكيان الصهيوني، ولا يبدو أنه نجح في تحقيق أي هدف سياسي أو أمني حتي الآن، بل ربما علي العكس إزدادت هيمنة أيران وتمددت خارج حدودها كي تصبح من أهم لاعبي الشرق الأوسط في الوقت الحالي .
إستراتيجية الإحتواء تفترض حصار النظام وتجفيف الينابيع التي تغذيه، كأسلوب وقائي في مواجهة الخطر، بينما استدعت الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط إلي مواجهة مباشرة مع الخطر نفسه، بهدف اقتلاعه وقصقصة أطرافه المتمددة في الإقليم، أي أنها ” إحتواء معدل ” أو ” احتواء مسلح ” .
لقد تكسرت موجات الهجوم الوحشية الأمريكية والصهيونية
علي صخرة الصمود الأيديولوج، فإذا بإيران تحاصر حصارها في مضيق هرمز، ثم صار لها وضع يتيح الإحتجاج بمسؤولياتها الإقليمية الأمنية، وتخرج حتي الآن بمكاسب سياسية إستراتيجية هامة .
لقد فشلت إستراتيجية الإحتواء في صورتيها الناعمة والخشنة
سواء في صحاري الشرق الأوسط، أو في السهوب الأوكرانية علي حدود روسيا الإتحادية، وصار واجباً البحث عن أستراتيجيات بديلة لمواجهة النظام الدولي الجديد الذي يتبدي تدريجيا من مخاض الشرق الأوسط وأوكرانيا، ويمهد المسرح لدخول لاعبين جدد في معادلة الهيمنة الدولية، أبرزهم الصين والهند وباكستان، من الآن وحتي نهاية هذا القرن الذي ينتقل فيه مركز الثقل العالمي إلي آسيا ، والمحيط الهندي والهادي.
وختاما
لا زلت أري أهمية قصوى لما سبق أن أشرت إليه علي مدي سنوات، من أهمية خلق نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط يتيح إحتواء الخطر الصهيوني المتصاعد الذي يمثل تهديدا أستراتيجيا لكل دول المنطقة بلا استثناء.
ولابد أن تشتمل أدوات النظام الأمني الجديد علي الدروس المستفادة من الصدام الأخير، مع بحث استخدام نموذج محدث من إستراتيجية الإحتواء، بعد أن كشف هذا النظام الصهيوني عن وجهه الإستيطاني البشع، وفقد معركة الصورة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتي الآن .
- المصدر: موقع آخر الكلام الإخباري







