
شهدت طرابلس توقيع اتفاق سياسي إطاري برعاية بعثة الأمم المتحدة، عُرف باتفاق «4+4» نسبةً إلى ممثلي سلطتي الأمر الواقع في شرق ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. وينص الاتفاق على إجراء انتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع محاولة تجاوز العقبات القانونية والإجرائية التي عطلت المسار الانتخابي. غير أن السؤال الجوهري ما يزال قائماً: هل ينبغي أن يستند حل النزاع الليبي إلى تفاهم سياسي مرن، أم إلى قواعد قانونية واضحة، أم إلى صياغة تدمج المسارين ضمن رؤية متكاملة؟ هذا التباين هو الذي غذّى الخلاف في الشارع الليبي وبين مؤيدي الأطراف المختلفة، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر القنوات التلفزيونية.
أولاً: الاتفاق الرباعي ومساره الانتخابي
يأتي اتفاق طرابلس ضمن خطة البعثة الأممية لإيجاد إطار سياسي يجمع الطرفين الأكثر قدرة على التأثير والتنفيذ على الأرض. والهدف هو دفع الأجسام التشريعية في الشرق والغرب إلى تهيئة بيئة تسمح بإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية. ويعكس هذا المسار تحولاً عن سياسات سابقة سعت إلى تحقيق أوسع إجماع وطني ممكن، لكنها اصطدمت بواقع تهيمن عليه قوى مسلحة وشبكات نفوذ مالية وإعلامية. لذلك اتجهت المقاربة الجديدة إلى جمع ممثلين فعليين لقوى تستطيع إصدار القرارات وتنفيذها.
بحسب النص الذي تلاه ممثلو الطرفين في اجتماع طرابلس، وبحضور أطراف دولية ومحلية، يقوم الاتفاق على عدد من المبادئ الأساسية:
- إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بصورة مستقلة، من دون ربط نتيجة إحداهما بالأخرى.
- وضع قوانين تتيح لمزدوجي الجنسية والعسكريين خوض الانتخابات وفق شروط محددة.
- السماح بمشاركة الأحزاب من خلال مرشحين أفراد بدلاً من القوائم الحزبية.
وقد غاب عن الاجتماع رئيس مجلس الدولة، كما أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رفضه الحضور بسبب ما عدّه غياباً للشفافية عن مخرجات الحوار.
ويتضمن المسار أيضاً توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية وبسط سلطة الحكومة على كامل التراب الليبي. ويُفهم من هذا التوجه أن الاتفاق قد يفتح المجال أمام مشاركة معسكر خليفة حفتر داخل مؤسسة موحدة، إلا أن شكل هذه المشاركة وحدودها يظلان رهناً بالتفاصيل التنفيذية والترتيبات اللاحقة.
ثانياً: منطق الإطار السياسي
في لقاء أجرته قناة ليبيا الأحرار ليلة توقيع الاتفاق، أوضح رئيس وفد حكومة الوحدة الوطنية المفاوض، وليد اللافي، أن التركيز ينصب على بناء مشروع وطني متكامل. ويرى أن توقيع الأطراف الفاعلة مباشرةً يضعها أمام مسؤولياتها تجاه الشعب الليبي. ووفق هذا التصور، تمثل الانتخابات وسيلة للانتقال إلى مرحلة دائمة، فيما يبدأ إزالة العقبات من الاتفاق نفسه، على أن يُعرض على البرلمان ومجلس الدولة للتصديق عليه بوصفه وثيقة دستورية خلال شهر من توقيعه.
تنطلق هذه المقاربة من افتراض أن الانتخابات ساهمت في تسوية أزمات دولية عديدة، وأن الاتفاق قد يحد من قدرة الدول الخارجية على ابتزاز الليبيين حسب اللافي . وبناءً على ذلك، لا ينبغي أن تتحول شروط الترشح إلى حاجز يمنع الوصول إلى صناديق الاقتراع. إنها أولوية سياسية تسعى إلى الانتقال التدريجي نحو الاستقرار، مع اعتماد البعثة الأممية على حشد أكبر دعم ممكن من النخب والشارع الليبي.
عُدّت الخطوة محاولة لتجاوز تعطيل مجلسي النواب والدولة، إلا أن المجلس الرئاسي دخل بدوره على خط التنافس عندما ثبّت عماد السايح رئيساً للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ويمكن تلخيص الرهان السياسي للاتفاق في ثلاثة أهداف: التواصل المباشر مع القوى الفاعلة في الشرق، ونزع السرديات التي تصور المنطقة الغربية بوصفها عائقاً أمام الانتخابات، وتجاوز الإجراءات القانونية التي قد تعطل الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. ويقوم هذا الرهان على الاعتقاد بأن الانتخابات ستفتح الطريق أمام توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية.
أما توحيد المؤسسة العسكرية، فيُفهم باعتباره سعياً إلى إيجاد صيغة قانونية تستوعب الوحدات القائمة. وقد يأخذ ذلك أحد مسارين: أن يتولى شخصية مرتبطة بمعسكر حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بما قد ينهي الوضع المستقل لما يسمى «القيادة العامة» في الشرق؛ أو أن تصبح هذه القيادة جزءاً من مؤسسات الدولة عند انتقال المجلس الرئاسي الجديد إلى طرابلس. وفي الحالتين، يسعى الاتفاق إلى إدماج خليفة حفتر والقوى الشرقية في مؤسسات الدولة وإخضاعها لقوانينها وإجراءاتها، مقابل حصول هذا الطرف على موقع نافذ، يُرجح أن يكون داخل المجلس الرئاسي.
ثالثاً: الحسابات السياسية للأطراف
يعكس الاتفاق منطقاً قريباً من «نظرية اللعبة»: فكل طرف يبني خطوته التالية على توقعه لسلوك الطرف الآخر. وبينما يشعر كل طرف بأنه حقق مكسباً، يخشى في الوقت نفسه أن يتحول هذا المكسب إلى انتقال مكلف. بالنسبة إلى حفتر، قد يؤدي الاندماج في مؤسسات الدولة إلى تقييد حرية الحركة المالية والعسكرية والسياسية التي مكّنته من أداء دور محوري في ملفات إقليمية، ولا سيما في السودان والنيجر، ومن توسيع شبكة العلاقات والزيارات في القارة الإفريقية. وقد ظهر هذا التنافس أيضاً في الجنوب الليبي وفي العلاقات مع تشاد بين حكومة الوحدة والسلطة القائمة في الشرق.
تختلف المكاسب المتوقعة باختلاف الطرف:
- معسكر صدام حفتر: قد تمثل رئاسة المجلس الرئاسي مكسباً كبيراً، لأنها تتيح نفوذاً في مفاصل الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، وتمنح صاحب المنصب صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
- قوى المنطقة الغربية: تراهن على أن إدماج عائلة حفتر في مؤسسات الدولة سيجعلها خاضعة للمساءلة، ويساعد على تنظيم الإنفاق العام، ويحد من الشبكات الخارجة عن القانون التي أرهقت الاقتصاد الليبي.
كما يراهن بعض الفاعلين على خلافات داخل عائلة حفتر نفسها؛ إذ تشير المعطيات المتداولة إلى رفض بعض أفرادها سقوط هيبة «القيادة العامة»، بالتوازي مع تنافس بين الأبناء، وخصوصاً خالد وصدام، على المناصب العسكرية وعلى موقع القيادة داخل العائلة.
رابعاً: إشكالية القواعد القانونية
يبرز هنا اعتبار آخر يتعلق بمكانة القانون. فوفق طرح اللافي، يمكن إبداء قدر من المرونة القانونية في سبيل الهدف الأكبر، أي إجراء الانتخابات. ومن ثم يمكن معالجة ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين عبر تفسير القوانين أو إضافة شروط تفصيلية، مثل التخلي عن الجنسية الأخرى أو ترك العمل العسكري قبل الترشح. إلا أن تطبيق هذه القواعد على الجميع قد يفتح البرلمان أمام عدد كبير من العسكريين، كما يتيح لمزدوجي الجنسية الترشح للرئاسة. ويبدو أن هذا الاستثناء صُمم أساساً لمعالجة وضع حفتر، وهو ما يجعل اتساع شروط الترشح موضع نقد، بصرف النظر عن السياق السياسي.
تثير القواعد المقترحة أيضاً إشكالية موقع الأحزاب السياسية. فالاعتماد على الترشح الفردي، بدلاً من القوائم الحزبية، قد يكرس نفوذ الأطر القبلية والجهوية والسلطات القائمة في توجيه المرشحين. كما أن القوانين المشار إليها في الاتفاق هي نفسها التي ارتبطت بتعثر عمليات انتخابية سابقة. وبذلك يبدو الاتفاق سياسياً في جوهره، يسعى إلى تجاوز الاختناقات القانونية عبر تفاصيل لم تُعلن كاملة، ويدفع نحو الانتخابات بأسرع ما يمكن، مهما بلغت الكلفة.
خامساً: بين القانون والسياسة — الحاجة إلى تصميم مؤسسي
يغيب عن النقاش مفهوم أساسي في إدارة المراحل الانتقالية هو «التصميم السياسي». فالانتخابات ليست، بذاتها، ضمانة لحل النزاعات. وتشير تجارب دولية إلى أن المقاربة الانتخابية قد تنجح في ظروف محددة، لكنها قد تصبح أيضاً عاملاً لتجدد الصراع إذا غاب الإطار المؤسسي المناسب. لذلك لا يكمن الحل في مجرد الدعوة إلى الانتخابات، بل في تصميم نظام انتخابي يترجم التفاهم السياسي إلى قواعد قانونية قابلة للتنفيذ.
يتطلب التصميم المؤسسي الفعّال طرفاً قادراً على بناء نظام انتخابي ومرحلة انتقالية يشكلان إطاراً مشتركاً لجميع الأطراف. ويجب أن يترجم هذا التصميم السياسة إلى إجراءات قانونية تفصيلية، بحيث يتضمن:
- سيناريوهات واضحة للاعتراض والطعن.
- ضمانات تحد من التلاعب بالعملية الانتخابية.
- آليات تمنع الأطراف من التراجع بعد بلوغ مراحل حاسمة.
- نظاماً انتخابياً يعزز التوازن ويحد من احتكار التمثيل.
ومن الخيارات الممكنة اعتماد التمثيل النسبي، لما قد يوفره من توازن أوسع داخل البرلمان، كما تُظهر بعض تجارب الانتقال السياسي في المنطقة.
وكان من الممكن أيضاً إعادة رسم الدوائر الانتخابية بما يمنع تشكل أقطاب مهيمنة على النتائج. فالتصميم لا يقتصر على النظام الانتخابي، بل يشمل كذلك طبيعة الحكم بعد الاتفاق، وتوزيع الصلاحيات، وضمانات التنفيذ. وتقدم تجارب تفاوضية، مثل تجربة ليبيريا، نماذج لإدراج التفاصيل التي ينبغي أن يوافق عليها الطرفان مسبقاً.
سادساً: السيناريو المتوقع وشروط النجاح
من المرجح أن يبحث كل طرف عن العلاقة الغائبة بين السياسة والقانون، وأن يجذب الاتفاق نحو التأويل الذي يخدم مصالحه. وإذا بقي القانون مجرد ملحق للاتفاق السياسي، من دون رؤية تصميمية متماسكة، فقد تظهر نتائج عدة:
- تصاعد التجاذب السياسي حول تفسير النصوص.
- محاولات التلاعب بالاتفاق أو تعطيل تنفيذه.
- تأخير التصديق من الأجسام التشريعية.
- الدخول في دوامة من الرفض والاتهامات المتبادلة.
إن تحديد الطرف المسؤول عن الفشل لاحقاً لن يعالج أصل المشكلة. فالنجاح يتطلب جهة ثالثة موثوقة للتحكيم بين الأطراف، ومرجعية واضحة لتفسير النصوص ومتابعة تنفيذها. كما يتطلب الجمع بين قاعدة سياسية قابلة للحياة وإطار قانوني ملزم يحدد شروط الترشح، وتوزيع الصلاحيات، وآليات الطعن، وضمانات قبول النتائج. فالإجماع الوطني الواسع وحده لا يكفي، كما أن الحوارات الضيقة لا تنتج شرعية مستدامة؛ والمطلوب اتفاق مصمم برؤية متماسكة تدمج السياسة بالقانون وتحدد مسبقاً كيفية التنفيذ وحسم النزاعات. ومن دون ذلك، ستظل العملية عرضة للارتجال والتعطيل.







