
قد يكون أخطر ما في حرب دونالد ترمب مع إيران أنها بدأت كاختبار للقوة الأمريكية، لكنها قد تنتهي كاختبار لحدودها.
هذه ليست مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران. إنها اختبار لفكرة أوسع حكمت السياسة الأمريكية لعقود: هل تستطيع القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة أن تفرض على خصم مصمم على المقاومة نتيجة سياسية تتوافق مع المصالح الأمريكية؟
حتى الآن، لا تبدو الإجابة واضحة. بل إن بعض المؤشرات تدفع إلى سؤال أكثر إثارة للقلق داخل واشنطن: هل بدأ ترمب يقترب من “لحظة كارتر” جديدة؟
المقارنة مع جيمي كارتر ليست حرفية. فالولايات المتحدة اليوم أكثر تفوقا عسكريا، وإيران ليست إيران عام 1979، والشرق الأوسط تغير جذريا. لكن ما يجمع التجربتين هو المأزق الإستراتيجي: قوة أمريكية هائلة تواجه خصما لا تستطيع إخضاعه بسهولة، وأزمة تتجاوز القدرة العسكرية إلى الاقتصاد والطاقة والتحالفات والسياسة الداخلية.
وهنا يصبح التاريخ تحذيرا، لا مجرد ذكرى. القوة تستطيع أن تبدأ الحرب، لكنها لا تستطيع كتابة نهايتها. كانت فلسفة ترمب تجاه إيران واضحة: الضغط الأقصى.
عقوبات، تهديدات، عزلة اقتصادية، ثم استخدام القوة العسكرية إذا فشلت الوسائل الأخرى. الفكرة تبدو منطقية في ظاهرها. إذا رفعت الولايات المتحدة تكلفة المواجهة إلى مستوى غير محتمل، فمن المفترض أن تضطر طهران إلى التراجع.
لكن هذا المنطق يفترض أن القيادة الإيرانية تقيس مصالحها بالطريقة نفسها التي تقيس بها واشنطن مصالحها. وهنا تكمن المشكلة.
الدول لا تقيس تكلفة الحرب بالمال والسلاح فقط. هناك السيادة، والكرامة الوطنية، وبقاء النظام، والخوف من أن يؤدي التراجع تحت الضغط إلى انهيار سياسي داخلي. ولهذا فإن زيادة الضغط قد لا تنتج دائما تنازلات. أحيانا تنتج مقاومة أكبر. وهذه هي النقطة التي قد تجعل “الضغط الأقصى” يتحول من أداة تفاوض إلى مأزق إستراتيجي.
العمليات العسكرية يمكن أن تحقق أهدافا تكتيكية محددة. لكن الحرب لا تنجح إستراتيجيا إلا إذا أنتجت نظاما سياسيا وأمنيا أفضل من النظام الذي كان قائما قبلها
كارتر لم يخسر بسبب نقص القوة
غالبا ما تختصر تجربة كارتر في صورة الرئيس الضعيف وأزمة الرهائن في طهران. لكن هذه القراءة سطحية.
كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت قوة عظمى، تمتلك موارد عسكرية واقتصادية هائلة. ومع ذلك، لم تستطع القوة وحدها حل الأزمة.
المشكلة لم تكن في غياب القوة، بل في غياب المسار الذي يحول القوة إلى نتيجة سياسية.
وهذا هو الدرس الذي يجب أن يهم ترمب.
فالرئيس الأمريكي يستطيع إصدار الأوامر العسكرية، لكنه لا يستطيع التحكم بالكامل في رد الخصم، ولا في ردود أفعال الحلفاء، ولا في الأسواق، ولا في مسار التصعيد.
الحرب، بمجرد أن تبدأ، تخلق ديناميكياتها الخاصة. وقد يصبح الخروج منها أصعب من الدخول إليها.
السؤال الذي لا تستطيع واشنطن تجنبه:
- إذا كانت الحرب تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فكيف ستضمن واشنطن أن المنشآت التي لم تدمر بالكامل لن تعود للعمل؟
- إذا كان الهدف تغيير السلوك الإقليمي الإيراني، فهل تستطيع الضربات العسكرية وحدها تحقيق ذلك؟
- وإذا كان الهدف تغيير النظام، فهل تمتلك الولايات المتحدة خطة سياسية قابلة للتطبيق لليوم التالي؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل ثانوية. إنها جوهر الإستراتيجية.
فالعمليات العسكرية يمكن أن تحقق أهدافا تكتيكية محددة. لكن الحرب لا تنجح إستراتيجيا إلا إذا أنتجت نظاما سياسيا وأمنيا أفضل من النظام الذي كان قائما قبلها.
وإذا لم يكن لدى واشنطن تصور واضح لذلك، فإنها تخاطر بأن يصبح الانتصار العسكري مجرد مرحلة أولى في أزمة أكبر.
إذا خرجت واشنطن من الصراع وقد حققت أهدافا واضحة ومستقرة، فإن قوتها الردعية قد تتعزز. لكن إذا خرجت بعد حرب طويلة، وتكاليف اقتصادية مرتفعة، وخصم لا يزال قادرا على المقاومة، فقد تكون النتيجة معاكسة تماما
الاقتصاد قد يكون نقطة الضعف الأمريكية
هناك جانب آخر أكثر خطورة: الاقتصاد العالمي. أي صراع طويل في منطقة الخليج يمكن أن ينعكس على النفط، والنقل البحري، والتأمين، وسلاسل الإمداد، والتضخم. وهنا تظهر مفارقة غير مريحة لترمب.
الإدارة الأمريكية تريد إضعاف الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تستطيع عزل الاقتصاد الإيراني عن الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب كبير في تدفقات الطاقة قد يرفع الأسعار عالميا، ويزيد التضخم في الولايات المتحدة، ويضغط على المستهلك الأمريكي.
وبالتالي، قد تتحول الحرب إلى معركة ذات كلفة متبادلة. وهذه ليست أفضل بيئة لتطبيق سياسة “الضغط الأقصى”. لأن السؤال في نهاية المطاف ليس: من يستطيع تحمل الألم؟ بل: من يستطيع تحمل الألم لفترة أطول دون أن تتغير حساباته السياسية؟
إيران ليست وحدها في هذه المعادلة
الأكثر أهمية أن الحرب لا تجري في فراغ إستراتيجي:
- الصين تراقب.
- روسيا تراقب.
- دول الخليج تراقب.
- الأسواق العالمية تراقب.
وكل طرف يعيد حساباته على أساس السؤال نفسه: ماذا سيبقى من النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بعد هذه الحرب؟
إذا خرجت واشنطن من الصراع وقد حققت أهدافا واضحة ومستقرة، فإن قوتها الردعية قد تتعزز. لكن إذا خرجت بعد حرب طويلة، وتكاليف اقتصادية مرتفعة، وخصم لا يزال قادرا على المقاومة، فقد تكون النتيجة معاكسة تماما.
فالردع لا يقوم على حجم الترسانة فقط. إنه يقوم على المصداقية الإستراتيجية.
يمكن لترمب أن يقرر أن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة هو المزيد من القوة. ويمكنه، في المقابل، أن يدرك أن القوة وصلت إلى الحد الذي تستطيع عنده تحقيقه عسكريا، وأن المرحلة التالية يجب أن تكون سياسية
أخطر لحظة هي عندما تصبح الحرب هدفا بحد ذاتها
هناك نقطة تتحول فيها الحرب من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى هدف يستمر لأن التراجع أصبح مكلفا سياسيا. وهذه هي اللحظة التي يجب على ترمب تجنبها. قد يصبح وقف الحرب عندها أصعب من استمرارها، لأن كل طرف يخشى أن يبدو وكأنه خسر.
لكن السياسة الدولية لا تكافئ دائما من يقاتل أكثر. أحيانا تكافئ من يعرف متى يتوقف. ولهذا فإن قبول التفاوض لا يعني بالضرورة الاعتراف بالفشل. بل يمكن أن يكون دليلا على أن واشنطن استعادت السيطرة على إستراتيجيتها.
ماذا يجب أن تفعل واشنطن؟
- أولا: يجب أن تحدد هدف الحرب بدقة.
- ثانيا: يجب أن تفصل بين الردع وتغيير النظام. فهما إستراتيجيتان مختلفتان تماما.
- ثالثا: يجب أن تعيد فتح قنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة مع إيران، حتى في ذروة الصراع.
- رابعا: يجب أن يكون أي اتفاق مستقبلي مرتبطا بآليات تحقق ومراقبة واضحة، بدل الاكتفاء بالضمانات السياسية.
- خامسا: يجب أن تضع واشنطن إستراتيجية خروج قبل أن يصبح الخروج ضرورة.
وهذا ربما هو الدرس الأهم. لا تبدأ حربا لا تعرف كيف تنهيها.
ترمب أمام خيار تاريخي
يمكن لترمب أن يقرر أن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة هو المزيد من القوة. ويمكنه، في المقابل، أن يدرك أن القوة وصلت إلى الحد الذي تستطيع عنده تحقيقه عسكريا، وأن المرحلة التالية يجب أن تكون سياسية.
الخيار الثاني ليس ضعفا. بل قد يكون أكثر انسجاما مع مفهوم القوة نفسه. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى إثبات أنها تستطيع ضرب إيران إلى ما لا نهاية. ما تحتاج إلى إثباته هو أنها تستطيع استخدام القوة لتحقيق تسوية تخدم مصالحها، ثم تعرف متى تنهي المواجهة.
وهنا يعود كارتر إلى المشهد. ليس لأن ترمب هو كارتر. وليس لأن إيران هي إيران 1979. بل لأن التاريخ يطرح السؤال نفسه مرة أخرى: ماذا يحدث عندما تمتلك الدولة الأقوى في العالم قدرة هائلة على استخدام القوة، لكنها لا تملك القدرة نفسها على التحكم في النتائج التي تنتج عنها؟
إذا لم تجد إدارة ترمب جوابا مقنعا، فقد تتحول “الضغط الأقصى” إلى عبء على صاحبها. وقد تصبح حرب إيران المثال الأوضح في القرن الـ21 على حقيقة قديمة في العلاقات الدولية: ليست القوة في أن تستطيع بدء الحرب؛ القوة الحقيقية هي أن تعرف كيف تنهيها.
- المصدر: موقع شبكة الجزيرة الإعلامية







