شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: أنا وسبتمبر (1/7) 45 عامًا… اعتقال

0:00 / –:–

أكتب هذه السطور في السابعة من صباح الأول من سبتمبر عام 2026. هي الساعة نفسها التي جاءتني فيها، قبل خمسة وأربعين عامًا، أول رسالة قاسية من السلطة. لم تأتِ في مظروف يحمل طابع البريد، بل في سيارة أمن كبيرة، وباب حديدي أُغلق خلفي للمرة الأولى.

كان ذلك في سبتمبر عام 1981. لم أكن تجاوزت 17 عامًا، وكنت رئيسًا لاتحاد الجمهورية للمدارس الثانوية ودور المعلمين والمعلمات.

شابًا في مقتبل العمر، لم يعرف من السياسة سوى حماسة الكلمة، وبراءة الحلم، والإيمان بأن الوطن يتسع لأصوات أبنائه.

لم تكن جريمتي سوى أنني آمنت بأن للشباب حقًا في أن يتكلموا، وللطلاب دورًا في وطنهم، وللحقيقة مكانًا بين الناس.

جاءت سيارات الأمن مع أول الضوء. لم تكن شمس النهار قد اكتملت، لكن ظلال الخوف كانت أطول من أشجار المنصورة. بدا لي أن المدينة تستيقظ على صرير الأبواب الحديدية، قبل أن تستيقظ على أذان الفجر.

يومها أدركت أن دولة كاملة قد تخشى كلمة تخرج من فم فتى، أكثر مما تخشى رصاصة تخرج من بندقية.

لم يكن السجن مجرد جدار وقفل. كان إعلانًا مبكرًا بأن سبتمبر سيصير قدري، وكتابي، وامتحاني المتجدد.

دخلت الزنزانة طفلًا يحمل أحلامًا بسيطة، وخرجت منها رجلًا يحمل جرحًا، ووعدًا، ووصية وقضية.

لم أخرج كما دخلت. فقد تركت خلف الباب الحديدي جزءًا من الصدمة، وحملت معي يقينًا بأن الحرية لا يعرف قيمتها كاملة إلا من سمع صوت المفتاح وهو يدور في باب زنزانته.

عند الأسوار، كنت أسمع صوت أمي في الدعاء. كان يصلني أصفى من كل الأصوات، وأقوى من صرير الأقفال: اثبت… فالوطن يستحق. وأنت تستحق ألا تبكي أو تنهار.

صوتها ما زال يسكنني، ويمنحني من القوة ما لم تمنحني إياه الخطب ولا الكتب. كانت أمي أكثر حرية وقوة من سجاني، وكان دعاؤها نافذتي إلى السماء.

رأيت في الزنازين وجوهًا من كل الأطياف. ليبراليين وإسلاميين ويساريين، مثقفين وصحفيين، وشبابًا لم تجمعهم فكرة واحدة، لكن جمعهم ظلم واحد.

وهناك أدركت مبكرًا أن الحرية لا تعرف حزبًا ولا مذهبًا، وأن الاستبداد حين يغلق بابه على المختلفين، يمنحهم، من حيث لا يريد، درسًا في وحدة المصير.

فالزنزانة لا تسأل صاحبها عن اتجاهه السياسي، والقيد لا يفرّق بين يمين ويسار، والظلم حين يعم يصبح مقاومته وطنًا مشتركًا.

كتبت يومها على جدار الزنزانة:

لا تجعلوا السجن مقبرة… بل اجعلوه مدرسة.

كان الحائط صامتًا، لكن قلبي ظل يردد العبارة كأنها صلاة.

هناك تعلمت أن الصمت موت وخيانة، وأن الكلمة، حتى إن وُلدت يتيمة، تستطيع أن تضيء ليلًا طويلًا.

وتعلمت أن السجن لا يُقاس بعدد القضبان، بل بعدد الدروس التي تبقى في الروح بعد أن تُفتح الأبواب.

عرفت يومها أن الحرية ليست ترفًا سياسيًا، ولا مادة في دستور، ولا شعارًا فوق منصة.

الحرية هي شهيق الروح. إن انقطع، مات الإنسان واقفًا، ولو ظل جسده يتحرك بين الناس.

وعرفت أيضًا أن أخطر السجون ليست تلك التي نراها، بل السجون التي نبنيها داخلنا، حين نعتاد الخوف، أو نبرر الصمت، أو نقبل أن نعيش بنصف صوت ونصف موقف ونصف كرامة.

منذ تلك الساعة، صار كل سبتمبر صدى لذلك الصباح.

جاءت بعده (سبتمبر 2005) انتخابات رئاسية أولى وتزوير، ومحاكمات واعتقالات جديدة، ثم ثورة ومنفى بعيد.

تبدلت الوجوه، وتغيرت العهود، لكن السؤال بقي واحدًا:

هل يملك الإنسان صوته، أم تستعيره منه السلطة، ثم تعيده إليه خافتًا أو مشوهًا؟

كل سجن كنت أخرج منه أقوى عقلًا وصوتًا وأكثر يقينًا وشجاعة.

واليوم، بعد خمسة وأربعين عامًا، لا أقول إن السجن المبكر أنهى طفولتي والتهم شبابي فقط، بل أقول إنه منح حياتي معناها الأصعب.

لم يكسرني سبتمبر، لكنه علمني أن أتعاطى مع كل عاصفة كي لا أنكسر، وأن أبقى واقفًا في داخلي، مهما أثقلت القيود قدمي.

كلما عاد الشهر، أعود في الذاكرة إلى زنزانتي الأولى. أضع كفي على جدارها البارد، وأسمع الوطن يهمس لي من بعيد:

لا تتراجع.

كان السجن جرحًا، لكنه صار أيضًا مرآة كشفت لي أجمل ما في الإنسان. قدرته على الصمود، وعناده في حماية الأمل، وإصراره على أن يترك نافذة صغيرة للغد، حتى حين تُغلق في وجهه كل الأبواب.

أرادوا أن يطفئوا الأمل داخلي، فزرعوا بذرة لم تنطفئ.

وأرادوا أن يجعلوا من الخوف نهاية الطريق، فإذا به يصير بدايته.

أكتب اليوم باليد ذاتها التي قُيّدت في ذلك الصباح البعيد، لأقول: ما زلت حيًا…

وما زالت الكلمة ممكنة…

وما زالت الأغاني ممكنة…

وما زال الوطن، رغم كل ما جرى، يستحق أن نحلم له، وأن نتألم من أجله، وألا نتراجع عن حقه في الحرية.

هذه هي الورقة الأولى من سباعية «أنا وسبتمبر».

أما الأوراق التالية، فتحكي عن دستور فُصّل على مقاس الوريث، وترشيح لم تُقدّم أوراقه أمامي، ورمز انتخابي سُرق، وقطار حمل الأمل إلى مدن مصر وقراها، وأب قتله خبر كاذب، وحقيقة اعتُقلت مع صاحبها، وشاهد خرج من المحكمة إلى الموت، ثم ثلاثية السجن والثورة والمنفى.

هذه بداية حكايتي مع سبتمبر.

لكنها ليست حكاية فرد وحده، بل شهادة زمن كامل.

زمن حاول فيه الخوف أن يكتب نهايتنا، فكتبنا نحن، من داخل الزنازين وخارجها، بداية أخرى لم تكتمل فصولها بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى