ذاكرة التاريخ.. باهور لبيب رائد علم المصريات وأول مصري يحصل على الدكتوراه في الآثار المصرية

يُعد الدكتور باهور لبيب واحدًا من أبرز رواد علم المصريات والآثار القبطية في مصر، وصاحب مسيرة علمية امتدت لعقود بين التدريس والمتاحف والحفائر والبحث الأثري، كما ارتبط اسمه بإدارة المتحف القبطي والمشاركة في عدد من أهم المشروعات الأثرية المصرية خلال القرن العشرين.
وُلد باهور لبيب في 19 سبتمبر 1905 بحي عين شمس بالقاهرة، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الأقباط الكبرى، ثم التحق بالمدرسة الخديوية في المرحلة الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1925.
وبدأ لبيب دراسته الجامعية بكلية الحقوق، لكن اهتمامه بالآثار المصرية دفعه في الوقت نفسه إلى الالتحاق بالدراسة الأثرية التي كانت قد بدأت تأخذ مكانها داخل الجامعة المصرية.
وعرض رغبته في الجمع بين دراسة الحقوق والآثار على أحمد لطفي السيد، الذي شجعه على مواصلة المسارين.
امتحان غيّر مسيرته
جاءت اللحظة الحاسمة في حياة باهور لبيب عندما تزامن امتحان الليسانس في الحقوق مع امتحانه في الآثار، واضطر إلى الاختيار بينهما، فاختار دراسة الآثار وأدى امتحانها، ليحصل على الليسانس عام 1930.
وتلقى خلال دراسته العلم على أيدي عدد من كبار المتخصصين في المصريات والآثار، ومن بينهم العالم الروسي فلاديمير جولنيشيف، المتخصص في اللغة المصرية القديمة، وهرمان يونكر، الذي ارتبط اسمه بحفائر مهمة في منطقة الأهرامات، والسير بيرسي نيوبري، أستاذ التاريخ والآثار بالجامعة المصرية.
أول مصري يحصل على الدكتوراه في علم المصريات
سافر باهور لبيب إلى ألمانيا لاستكمال دراساته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فريدريك ويليام في برلين في 29 نوفمبر 1934.
وتناولت رسالته الملك أحمس الأول، مؤسس الأسرة الثامنة عشرة وقائد حرب تحرير مصر من الهكسوس، ليصبح باهور لبيب من أوائل المصريين الذين وصلوا إلى أعلى الدرجات الأكاديمية المتخصصة في علم المصريات، ويُذكر باعتباره أول مصري يحصل على الدكتوراه في هذا التخصص.
وعاد إلى مصر ليبدأ مرحلة جديدة في العمل الأكاديمي، فعُين محاضرًا بمعهد الآثار بجامعة القاهرة عام 1935.
من المتحف المصري إلى المتحف القبطي
انتقل باهور لبيب بعد ذلك إلى العمل المتحفي، وعُين أمينًا بالمتحف المصري بالقاهرة عام 1945، ثم تولى مسؤوليات مرتبطة بمتاحف المحافظات.
وفي عام 1951 تولى إدارة المتحف القبطي بالقاهرة، وظل في منصبه حتى عام 1965، ليصبح واحدًا من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ المتحف وتطوير العمل العلمي والأثري داخله.
وجاء لبيب في إدارة المتحف بعد مرقس سميكة باشا والدكتور توجو مينا، وأسهم خلال سنوات عمله في تعزيز مكانة المتحف باعتباره إحدى أهم المؤسسات المتخصصة في حفظ ودراسة التراث القبطي.
حضور علمي داخل مصر وخارجها
شغل باهور لبيب عددًا كبيرًا من المواقع العلمية والثقافية، فكان عضوًا في المجلس القومي للثقافة، ومقررًا للجنة الآثار بالمجالس القومية المتخصصة، كما انضم إلى المجمع العلمي المصري عام 1960.
وامتدت عضوياته إلى مؤسسات علمية دولية، من بينها معهد الآثار الألماني في برلين، إلى جانب مشاركته في أعمال مرتبطة بالمتاحف والمؤسسات الثقافية الدولية.
وكان أيضًا عضوًا في مجلس معهد الآثار القبطية، ومن الأعضاء المؤسسين لمعهد الدراسات القبطية، وتولى رئاسة الجمعية الوطنية للفنون، وشارك في عدد من الهيئات والجمعيات المهتمة بالآثار والفنون والتراث.
أوسمة وتكريمات دولية
حظي باهور لبيب بتقدير دولي واسع على مسيرته العلمية، وحصل على عدد من الأوسمة والتكريمات.
ومن بين ما ناله ميدالية ذهبية من الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، ووسامًا من الدنمارك، ووسام الاستحقاق من درجة الصليب الكبير من ألمانيا الغربية، كما حصل على مفتاح مدينة ميونيخ الألمانية.
كشف آثار الحفائر الإسرائيلية في سيناء
ولم تقتصر مسيرة باهور لبيب على العمل الأكاديمي والمتاحف، إذ شارك في عدد من المهام الأثرية والميدانية المهمة.
وعقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان عضوًا في لجنة لتقصي ما جرى من أعمال تنقيب خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء.
وتوجهت اللجنة إلى منطقة دير سانت كاترين في 17 يونيو 1957، وعاينت مواقع الحفائر، لتسجل وجود أعمال تنقيب أجريت خارج أسوار الدير خلال فترة الاحتلال.
حفائر أبو مينا وأتريب
وشارك باهور لبيب كذلك في أعمال الحفائر بمنطقة أبو مينا الأثرية في صحراء مريوط، وهي واحدة من أبرز مناطق الآثار المسيحية في مصر، وبدأ نشاطه المرتبط بالموقع عام 1951.
كما ترأس لجنة للتنقيب عن آثار كنيسة السيدة العذراء في منطقة أتريب بمدينة بنها، ضمن سلسلة من الأنشطة الميدانية التي جمعت بين اهتمامه بالآثار المصرية القديمة والتراث القبطي.
وظل اسم باهور لبيب مرتبطًا بعلم المصريات والقبطيات والحفاظ على التراث المصري، لتبقى مسيرته واحدة من الصفحات البارزة في تاريخ المدرسة الأثرية المصرية التي انتقلت فيها دراسة آثار مصر تدريجيًا إلى أيدي علماء مصريين متخصصين.







