مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: إذا غابت المرجعية.. ‎فمن يقتل ضمير الإنسان؟ قراءة في رواية الإخوة كارامازوف

هناك روايات نقرأها، وهناك روايات تقرؤنا هي.‏
أما الإخوة كارامازوف، فقد شعرت بعد أن أغلقت صفحاتها الأخيرة للمرة الثانية ، أنني لم أكن ‏أقرأ قصة أسرة روسية، ولا رواية بوليسية عن جريمة قتل، بل كنت أقرأ تشريحًا للنفس ‏البشرية. وكلما مر الزمن، ازددت اقتناعًا بأنها لم تُكتب لروسيا في القرن التاسع عشر، بل لكل ‏إنسان يحاول أن يفهم نفسه في أي زمان.‏
صدرت الرواية عام 1880، وكانت آخر ما كتبه فيودور دوستويفسكي، الذي رحل بعد أشهر ‏قليلة من نشرها. ومنذ ذلك الحين تُرجمت إلى عشرات اللغات، وتحولت إلى أفلام ومسرحيات، ‏وألهمت فلاسفة وعلماء نفس ومفكرين أكثر مما ألهمت نقاد الأدب. حتى إن سيغموند فرويد، ‏وألبير كامو، وجان بول سارتر، وغيرهم، وجدوا فيها مادة للتأمل تتجاوز حدود الرواية.‏
في ظاهرها، تحكي الرواية عن الأب فيودور كارامازوف، الرجل الفاسد الشهواني، وأبنائه ‏الأربعة المختلفين في الطباع، ثم عن جريمة قتله، والمحاكمة التي تلتها.‏
لكن هذا ليس موضوع الرواية.‏
إنه فقط الباب الذي يدخل منه دوستويفسكي إلى السؤال الحقيقي.‏
من أين يأتي الضمير؟
وهل يستطيع الإنسان أن يبني منظومة أخلاقية تكفي وحدها، أم أنه يحتاج دائمًا إلى مرجعية ‏أعلى من نفسه؟
ولعل عبقرية دوستويفسكي أنه لم يجعل أبناء كارامازوف مجرد شخصيات، بل جعلهم وجوهًا ‏مختلفة للنفس الإنسانية.‏
فديميتري يمثل الإنسان الذي تقوده العاطفة.‏
وإيفان يمثل العقل الذي لا يتوقف عن الشك والسؤال.‏
وأليوشا يمثل الإيمان والمحبة والرحمة.‏
أما سمردياكوف، فهو الوجه المظلم عندما يفقد الإنسان إحساسه بالمسؤولية الأخلاقية.‏
وهكذا تتحول الأسرة إلى عقل واحد يتجادل مع نفسه.‏
وأنا أقرأ الرواية، وجدت نفسي أتوقف عند فكرة كثيرًا ما نناقشها في عصرنا.‏
هل الأخلاق وُلدت مع الأديان؟
أم أن الإنسان اكتشفها قبل ذلك؟
التاريخ يقول إن البشر عرفوا الصدق، والعدل، وتحريم القتل داخل الجماعة، واحترام العهد، ‏ورعاية الضعيف، قبل ظهور الرسالات السماوية بقرون طويلة. ففي مصر القديمة، وبلاد ‏الرافدين، والصين، والهند، واليونان، ظهرت منظومات أخلاقية صاغها العقل والخبرة الإنسانية ‏قبل أن تأتي الرسالات الإبراهيمية.‏
لكن دوستويفسكي لا يناقش أصل الأخلاق.‏
إنه يناقش سؤالًا آخر أكثر عمقًا.‏
إذا كنت أعرف الخير بعقلي‎…‎
فما الذي يدفعني إلى الالتزام به عندما تتعارض الأخلاق مع مصلحتي؟
وهنا وجدت أن الرواية لا تقدم إجابة جاهزة، بل تترك القارئ في مواجهة نفسه.‏
فقد يكون العقل قادرًا على اكتشاف الخير.‏
لكن هل يكفي العقل وحده ليمنح الخير سلطته؟
ومن هنا بدأت أرى أن جريمة قتل الأب في الرواية ليست مجرد جريمة جنائية.‏
إنها رمز.‏
الأب ليس شخصًا فقط.‏
إنه يمثل المرجعية، والسلطة، والقيمة التي يعود إليها الأبناء عندما يختلفون.‏
وحين يُقتل الأب، لا يختفي رجل، بل يبدأ السؤال:‏
من سيملأ هذا الفراغ؟
وهنا تذكرت نيتشه.‏
فعندما أعلن عبارته الشهيرة: “مات الإله‎”‎، لم يكن يقصد أن الله قد مات بالمعنى الحرفي، بل ‏كان يصف انهيار المرجعية المطلقة التي حكمت الحضارة الأوروبية قرونًا طويلة، ويحذر من ‏الفراغ القيمي الذي قد ينشأ إذا لم يستطع الإنسان أن يبني منظومة جديدة من المعنى ‏والمسؤولية.‏
دوستويفسكي كتب الإخوة كارامازوف قبل أن يشتهر إعلان نيتشه “مات الإله‎” ‎بسنوات ‏قليلة، لكنه كان يعيش المناخ الفكري نفسه الذي بدأ فيه الإيمان التقليدي يتراجع أمام العقلانية ‏والعلم

وبعد نحو ثمانين عامًا، يكتب نجيب محفوظ أولاد حارتنا،
فالجبلاوي، هو الآخر، ليس مجرد شخصية روائية، بل رمز للأصل والمرجعية، وغيابه يترك أبناء ‏الحارة في مواجهة أنفسهم، يتنازعون السلطة، ويتصارعون باسم الخير، بينما يبتعدون عنه شيئًا ‏فشيئًا.‏
لم أقل إن دوستويفسكي ونيتشه ومحفوظ قالوا الشيء نفسه.‏
لكنهم، كل بطريقته، كانوا يدورون حول السؤال ذاته:‏
ماذا يحدث عندما تغيب المرجعية التي كانت تمنح الإنسان معنى يتجاوز مصلحته المباشرة؟
وأظن أن هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا في عصرنا.‏
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ملايين البيانات في ثوانٍ.‏
وقد يصبح أقدر من الإنسان في التشخيص، والتنبؤ، واتخاذ القرار.‏
لكنه لا يعرف الرحمة.‏
ولا يشعر بالندم.‏
ولا يملك ضميرًا.‏
علينا أن ندرك أن الحضارة لا تحتاج إلى الذكاء وحده.‏
بل تحتاج أيضًا إلى حكمة أخلاقية توجه هذا الذكاء.‏
ولعل هذا هو السبب في أن رواية كُتبت قبل ما يقرب من قرن ونصف تبدو وكأنها تناقش ‏أسئلة القرن الحادي والعشرين.‏
لقد خرجت من الإخوة كارامازوف وأنا أقل اهتمامًا بمن قتل الأب، وأكثر اهتمامًا بسؤال آخر:‏
من يقتل الضمير؟
فالإنسان قد يعرف الخير، لكنه لا يفعله.‏
وقد يعرف الشر، ثم يبرره.‏
وقد يبني حضارة عظيمة، ثم يستخدمها في تدمير نفسه.‏
ولهذا لا أرى أن العبقرية الحقيقية لدوستويفسكي كانت في رسم شخصياته، بل في أنه أدرك أن ‏أعقد معارك المستقبل لن تكون بين الدول، ولا بين الأيديولوجيات، بل داخل الإنسان نفسه.‏
بين العقل والضمير.‏
بين الحرية والمسؤولية.‏
بين القدرة على الفعل، والحكمة في استخدام هذه القدرة.‏
ولهذا أعتقد أن الإخوة كارامازوف ليست رواية عن جريمة قتل.‏
إنها رواية عن السؤال الذي سيظل يرافق الإنسان ما بقي إنسانًا:‏
إذا أصبح كل شيء ممكنًا‎… ‎فمن الذي سيخبرنا بما ينبغي أن لا نفعله؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى