من حارات القاهرة إلى نوبل.. حكاية نجيب محفوظ الذي حمل الأدب المصري إلى العالم

لم يكن نجيب محفوظ مجرد روائي مصري كتب عن الحارة والقاهرة وتحولت رواياته إلى أفلام شهيرة، فالرجل الذي عاش حياة تبدو شديدة الهدوء وجد نفسه على مدار سنوات طويلة في قلب معارك سياسية وفكرية ودينية كبرى، بعضها وصل إلى منع أعماله، وبعضها إلى اتهامات طالت أفكاره، قبل أن تنتهي إحدى تلك المعارك بسكين في رقبته كادت تنهي حياته.
ولد محفوظ في القاهرة في 11 ديسمبر 1911، ودرس الفلسفة في جامعة القاهرة قبل أن يختار طريق الأدب، وفي الوقت نفسه أمضى سنوات طويلة موظفًا في مؤسسات الدولة حتى تقاعد عام 1972، بينما ظلت القاهرة عالمه الأكبر ومسرح الجزء الأهم من أعماله.
بدأ محفوظ تجربته الروائية بالعودة إلى مصر القديمة، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى المجتمع المصري المعاصر، ويصنع من الشوارع والحارات والمقاهي والبيوت القاهرية عالمًا أدبيًا كاملًا، ظهر في أعمال مثل «خان الخليلي» و«زقاق المدق»، ثم جاءت الثلاثية «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» لتكرس مكانته باعتباره واحدًا من أهم الروائيين العرب.
لكن محفوظ لم يكن يكتب عن المجتمع بعيدًا عن السياسة، فقد كانت التحولات التي مرت بها مصر حاضرة بقوة داخل عالمه، من الاحتلال والملكية وثورة 1919، إلى ثورة يوليو وما تلاها من تحولات سياسية واجتماعية، وكانت رواياته تفتح أسئلة عن السلطة والدين والحرية والعدالة والانتهازية والخوف وتغير المجتمع.
أولاد حارتنا.. الرواية التي طاردته لعقود
ربما لم يرتبط الجدل بعمل من أعمال محفوظ مثلما ارتبط برواية «أولاد حارتنا»، التي نُشرت مسلسلة عام 1959، وأثارت اعتراضات دينية واسعة بسبب رموزها وشخصياتها وطريقة تناولها للأسئلة المتعلقة بالدين والإنسان والسلطة والمعرفة.
ولسنوات طويلة ظلت الرواية واحدة من أكثر أعماله إثارة للجدل، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة بقوة في نهاية الثمانينيات والتسعينيات، ولم يبق الخلاف حول الرواية مجرد نقاش ثقافي أو ديني، بل تحول بعد عشرات السنوات من نشرها إلى خطر حقيقي على حياة صاحبها.
سكين في رقبة صاحب نوبل
في أكتوبر 1994 تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال بالقرب من منزله، بعدما طعنه أحد المتطرفين في رقبته، لينقل إلى المستشفى ويخضع لجراحة وينجو من الموت.
لكن الطعنة تركت أثرًا لم يفارقه، إذ تضررت أعصاب يده وأصبحت قدرته على الإمساك بالقلم والكتابة محدودة للغاية، إلا أنه واصل الكتابة والإنتاج الأدبي خلال السنوات التالية.
كانت المفارقة قاسية، أديب قضى حياته في مواجهة الأفكار بالأفكار، انتهى به الأمر إلى مواجهة سكين بسبب ما كتب.
أول عربي يحمل نوبل للآداب
وقبل محاولة اغتياله بست سنوات كان محفوظ قد وصل إلى اللحظة الأكبر في مسيرته الأدبية، ففي عام 1988 أعلنت الأكاديمية السويدية فوزه بجائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول أديب عربي يحصل على الجائزة.
وكان وصول محفوظ إلى نوبل مفارقة لافتة في حد ذاته، فالكاتب الذي انطلق من أحياء القاهرة القديمة واستمد جانبًا ضخمًا من عالمه من تفاصيل المجتمع المصري المحلية، أصبح اسمه حاضرًا على أكبر منصة أدبية عالمية.
لم يكن بحاجة إلى البحث عن عالم بعيد ليصنع أدبًا عالميًا، كانت القاهرة أمامه كافية، بحاراتها ومقاهيها وبيوتها وفتواتها وموظفيها وفقرائها وأغنيائها وتناقضاتها.
رحل محفوظ.. وبقيت الحارة
في 30 أغسطس 2006 رحل نجيب محفوظ في القاهرة عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد رحلة امتدت لعقود أنتج خلالها عشرات الروايات ومئات القصص القصيرة، وتحول عدد كبير من أعماله إلى السينما والتلفزيون.
لكن كثيرًا من الشخصيات التي كتب عنها محفوظ لم تختف برحيله.
الفتوة الذي يريد السيطرة، والموظف الذي يطحنه الروتين، والشاب الباحث عن مستقبله، والانتهازي الذي يتغير مع تغير السلطة، والأسرة التي تصارع تحولات المجتمع، كلها شخصيات ما زالت قادرة على الخروج من صفحات رواياته والسير في شوارع القاهرة حتى اليوم.
وربما هنا تكمن قيمة نجيب محفوظ الحقيقية، فلم تكن عالميته في أنه ابتعد عن مصر ليكتب للعالم، وإنما في أنه اقترب من مصر إلى درجة جعلت العالم قادرًا على رؤية نفسه داخل حاراتها.





