مقالات وآراء

إيمان الجارحي تكتب: المارد في القمقم.. حين تتغير الأمم دون أن تفقد ذاكرتها

ليس الشرق الأوسط وحده الذي يُعاد تشكيله اليوم؛ فأوروبا بدورها تشهد تحولات ربما تعيد تعريف موازين القوة التي استقرت فيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي قلب هذه التحولات تقف ألمانيا، التي تعود تدريجياً إلى موقع القيادة العسكرية الأوروبية بعد عقود طويلة ارتبطت فيها القوة الألمانية أساساً بالاقتصاد والصناعة والنفوذ السياسي.

لكن صعود ألمانيا لا يعني عودة التوسع الألماني بصورته التاريخية، ولا استعادة ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية. المسألة أكثر تعقيداً من ذلك؛ فالمارد حين يخرج من القمقم لا يعود بالضرورة بالصورة التي دخل بها؛ لقد تعلّم داخل القمقم.

ثمانية عقود من الديمقراطية والاندماج الأوروبي والمؤسسات الأطلسية لم تمحُ ألمانيا، لكنها غيّرت الطريقة التي تفهم بها قوتها وتمارس بها دورها. ولذلك فإن ألمانيا التي تعود إلى القيادة اليوم لا تحتاج إلى تجاوز حدودها كي تقود أوروبا؛ فالقيادة في النظام المعاصر يمكن أن تمر عبر المؤسسات والتحالفات والصناعة العسكرية والتكنولوجيا والقدرة على تحديد أولويات الأمن الأوروبي.

هل تستطيع الهزائم الكبرى والتحولات السياسية ومحاولات إعادة تشكيل المجتمعات أن تمحو ثقافتها الاستراتيجية وذاكرتها التاريخية، أم أنها تدفع بعض مكوناتها إلى الكمون حتى تتغير الظروف التي أحاطت بها؟
والمفارقة أن هذا التحول يثير اليوم قلق روسيا؛ وريثة الاتحاد السوفييتي الذي كان أحد أكبر المنتصرين على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ودفع ثمناً بشرياً هائلاً في مواجهتها. فالحرب انتهت بانتصار الاتحاد السوفييتي وهزيمة ألمانيا وتقسيمها وتقييد قوتها العسكرية، لكن المصالح سرعان ما أعادت رسم مواقع الطرفين؛ دُمجت ألمانيا الغربية داخل المنظومة الغربية، وانضمت إلى الناتو، وأصبحت بمرور الوقت إحدى ركائز المشروع الأوروبي، بينما تحول الاتحاد السوفييتي المنتصر إلى الخصم الرئيسي للمنظومة نفسها.

وبعد ثمانية عقود تكتمل المفارقة: ألمانيا الموحدة في قلب الاتحاد الأوروبي والناتو، ويُطلب منها تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أوروبا، بينما تقف روسيا خارج هذه المنظومة وتنظر بقلق إلى صعود القوة العسكرية الألمانية التي هزمها السوفييت يوماً. فالخرائط السياسية لا تحتفظ طويلاً بتقسيماتها بين منتصر ومهزوم، ولا تضمن نتائج الحرب وحدها موقع الدول في النظام الذي سيولد بعدها، فقد تتحول الدولة التي جرى تقييد قوتها بالأمس إلى قوة تحتاجها المنظومة نفسها غداً.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز ألمانيا نفسها: هل تستطيع الهزائم الكبرى والتحولات السياسية ومحاولات إعادة تشكيل المجتمعات أن تمحو ثقافتها الاستراتيجية وذاكرتها التاريخية، أم أنها تدفع بعض مكوناتها إلى الكمون حتى تتغير الظروف التي أحاطت بها؟

فالكمون ليس موتاً، ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم جانب من القلق الذي صاحب وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر عام 2012. لم يكن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى إسرائيل هو ما إذا كانت مصر ستعلن الحرب في اليوم التالي لوصول محمد مرسي إلى الرئاسة، فقد كانت الدولة المصرية محكومة بمعاهدة سلام، وبمؤسسات راسخة، وقيود اقتصادية وعسكرية ودولية لا يستطيع تغير الرئيس وحده إزالتها. كان السؤال الأبعد مدى أكثر أهمية: ماذا لو استمر هذا التحول؟ ماذا لو استقرت قيادة تحمل تصوراً مختلفاً لهوية مصر وموقعها وعلاقتها بفلسطين وإسرائيل والنظام الإقليمي، ثم امتلكت الوقت الكافي لإعادة تعريف وظيفة القوة المصرية نفسها؟

وهنا يصبح الفارق بين امتلاك القوة والعقيدة التي توجه القوة أساسياً. فمصر لم يتغير موقعها الجغرافي بوصول الإخوان إلى الحكم، ولم يتغير حجم سكانها أو جيشها أو حدودها مع فلسطين أو سيطرتها على قناة السويس؛ الذي تغير كان احتمال أن تتغير، مع مرور الوقت، الرؤية التي تحدد كيف تستخدم الدولة هذه العناصر وما الوظيفة الإقليمية التي تؤديها.

ولذلك تلتقي الحالة المصرية، رغم اختلافها الجذري عن الحالة الألمانية، مع السؤال النظري نفسه. ألمانيا تكشف ماذا يمكن أن يحدث عندما تتغير البيئة الخارجية المحيطة بدولة بعد عقود من كبح دور معين من أدوارها، ومصر عام 2012 كشفت ماذا يمكن أن يحدث عندما تتغير القيادة السياسية لدولة بينما تبقى عناصر قوتها وموقعها كما هي.

في الحالتين يصبح السؤال متعلقاً بالزمن، فالسنة الأولى لا تخبرنا بالضرورة بما ستكون عليه الدولة بعد عشر سنوات أو عشرين؛ المؤسسات القديمة تقاوم والقيود الخارجية تستمر، لكن القيادة الجديدة -إذا امتلكت الزمن والاستقرار- تستطيع بدورها أن تعيد تعريف المؤسسات والمصالح ومفهوم الأمن والتهديد.

وهنا تحمل المفارقة الألمانية معنى مهماً بالنسبة إلى الإخوان المسلمين، ليس باعتبارها تجربة قابلة للاستنساخ، فالفارق بين الحالتين كبير، وإنما باعتبارها طريقة مختلفة في قراءة التاريخ والسياسة. فاللحظة التي يبدو فيها طرف ما مهزوماً أو مستبعداً لا تحدد بالضرورة موقعه بعد عقد أو عقدين. ألمانيا التي خرجت مهزومة ومقسمة لم تستعد موقعها بكسر النظام الذي نشأ بعد هزيمتها، بل تحركت داخله، وتغيرت معه، واستفادت من تحولات المصالح والتهديدات حتى أصبحت إحدى القوى التي يقوم عليها هذا النظام نفسه.

إحدى مشكلات قراءة التحولات الكبرى أننا نبحث دائماً عن عودة الماضي بصورته القديمة؛ نبحث عن ألمانيا القديمة داخل ألمانيا الجديدة، فإذا لم نجد الدبابات تعبر الحدود قلنا إن ألمانيا تغيرت نهائياً. ونبحث عن المشروع الإسلامي بصوره التاريخية، فإذا لم نجدها قلنا إن الهوية قد تآكلت. لكن التاريخ نادراً ما يعيد إنتاج نفسه بهذه البساطة
وهنا ربما يكون الدرس الأهم بالنسبة إلى حركة مثل الإخوان مرت بتجارب صعود وهزيمة وإقصاء وانقسام: ألا تقرأ مستقبلها فقط من داخل خريطة اللحظة الراهنة. فليس المطلوب انتظار استعادة اللحظة السابقة، ولا إعادة إنتاج تجربة 2012، ولا افتراض أن تغير الظروف سيعيد الحركة تلقائياً إلى موقعها القديم. السؤال الأجدى: ماذا تعلمت من التجربة؟ وما الذي تغير فيها وفي المجتمعات التي تعمل داخلها؟ وأي وظيفة تستطيع أن تؤديها إذا أعادت التحولات الإقليمية والدولية رسم الخريطة مرة أخرى؟

فالتاريخ لا يمنح أحداً فرصة جديدة بالشروط القديمة، والكمون الذي لا تصاحبه مراجعة قد يتحول إلى جمود. أما التجربة التي تنتج معرفة جديدة بالذات والبيئة وحدود القوة، فيمكنها أن تحول الزمن من عامل استنزاف إلى عامل نضج.

لكن إحدى مشكلات قراءة التحولات الكبرى أننا نبحث دائماً عن عودة الماضي بصورته القديمة؛ نبحث عن ألمانيا القديمة داخل ألمانيا الجديدة، فإذا لم نجد الدبابات تعبر الحدود قلنا إن ألمانيا تغيرت نهائياً. ونبحث عن المشروع الإسلامي بصوره التاريخية، فإذا لم نجدها قلنا إن الهوية قد تآكلت. لكن التاريخ نادراً ما يعيد إنتاج نفسه بهذه البساطة، فالهوية التي تمر بتجارب طويلة لا تخرج منها كما دخلت إليها. قد تتغير أدواتها وأولوياتها، لكنها قد تحتفظ في العمق بتصورها عن ذاتها وموقعها ورسالتها، ثم تعيد التعبير عنه بلغة العصر الذي تعيش فيه.

ومن هنا لا يكون القمقم مجرد سجن للمارد، فالقمقم قد يصبح مدرسة له أيضاً. يتعلم داخله حدود القوة وأخطاء التجربة السابقة وقواعد النظام الذي يعيش فيه، ثم عندما تتغير الظروف لا يخرج لاستعادة الماضي، وإنما لإنتاج صيغة جديدة منه. فالأمم لا تحتفظ بماضيها داخل متحف مغلق، وإنما تعيد تفسيره باستمرار. والتجارب، حتى القاسية منها، لا تؤدي بالضرورة إلى تآكل الهوية؛ فقد تنضجها وتجبرها على اكتشاف أشكال جديدة للتعبير عن نفسها.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الأهم عندما نرى المارد يخرج من القمقم: هل عاد المارد القديم؟ بل: ماذا تعلّم المارد داخل القمقم، وبأي ثوب اختار أن يخرج هذه المرة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى