حوارات وتصريحات

حسام بدراوي: طُردت من القصر الجمهوري حين توسطت للإنقاذ.. ومبارك طلب مني الغياب عن جلسة الطوارئ

كشف الدكتور حسام بدراوي، الطبيب والمفكر السياسي والأمين العام الأسبق للحزب الوطني الديمقراطي، جانبًا من كواليس علاقته بمؤسسات الحكم في مصر خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، متحدثًا عن خلافاته مع عدد من قيادات الحزب والدولة، ومواقف قال إنها أدت في بعض الأحيان إلى استبعاده أو التضييق عليه، وصولًا إلى طرده من القصر الجمهوري في إحدى الوقائع.

وتطرق بدراوي، خلال حواره مع موقع «تفاصيل مصرية»، إلى رؤيته للإصلاح السياسي والاقتصادي، وطبيعة صناعة القرار في مصر، وموقفه من فكرة توريث الحكم، إلى جانب شهادته على أحداث ووقائع سبقت ثورة 25 يناير ورافقتها.

وقال بدراوي إن رؤيته للإصلاح السياسي تنطلق من ضرورة وجود سلطة حقيقية قادرة على محاسبة السلطة التنفيذية، مؤكدًا أن أي سلطة تعمل دون رقابة ومحاسبة يمكن أن تتحول إلى سلطة مستبدة حتى مع افتراض حسن نية القائمين عليها.

وأوضح أن إعادة تنظيم الحياة السياسية يجب أن تبدأ بوجود برلمان قادر على المحاسبة، وإتاحة تداول حقيقي للسلطة، وضمان استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، إلى جانب توفير مساحة حقيقية لحرية التعبير والإعلام.

وأضاف أن حرية التعبير لا تعني الفوضى، وإنما تعني السماح بسماع الآراء المؤيدة والمعارضة على السواء دون تجاوز.

«لا أرى حزبًا حاكمًا.. بل سلطة حاكمة»

وقال بدراوي إنه لا يرى في المشهد الحالي حزبًا حاكمًا بالمعنى السياسي التقليدي، وإنما «سلطة حاكمة تدعي أن هناك حزبًا حاكمًا لها»، على حد تعبيره.

وأضاف أن الأجهزة والمؤسسات التي تدير الدولة لا تقتصر، في تقديره، على الحكومة، معتبرًا أن الحكومة تتحرك داخل نطاق محدود مقارنة بمراكز أخرى لصناعة القرار.

وأشار إلى أن غياب القدرة على تحديد الجهة التي تمتلك القرار الحقيقي يضعف إمكانات المحاسبة السياسية، متسائلًا عن كيفية مساءلة السلطة أو تغيير سياساتها إذا لم تكن طبيعة مراكز اتخاذ القرار واضحة أمام المجتمع.

واعتبر بدراوي أن البرلمان الحالي لا يمتلك، وفق رؤيته، كتلة حرجة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في السياسات العامة، رغم وجود نواب وصفهم بالكفاءة والاحترام داخل المجلس.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأفراد، وإنما بطبيعة البناء السياسي وقدرة البرلمان على محاسبة الحكومة والتأثير في القرار.

بدراوي: البرلمان لم ينجح في فرض رقابة حقيقية

وتطرق الأمين العام الأسبق للحزب الوطني إلى الحياة البرلمانية، قائلًا إن البرلمان لا يمارس، في تقديره، رقابة حقيقية وكاملة على الحكومة.

واستشهد بعدم مناقشة استجوابات مؤثرة خلال سنوات طويلة، معتبرًا أن ذلك لا يعكس حياة برلمانية قادرة على القيام بدورها الرقابي بصورة كاملة.

وقارن بدراوي بين البرلمان في عهد الحزب الوطني والوضع الحالي، قائلًا إن الحزب الوطني كان هو الآخر يعمل في ظل سيطرة السلطة التنفيذية، إلا أنه كانت توجد داخله وفي البرلمان مساحة أكبر نسبيًا للنقاش والاعتراض.

وأضاف أن الحكومات خلال عهد مبارك كانت تُشكل أولًا ثم ينضم أعضاؤها إلى الحزب الوطني، وليس العكس، معتبرًا أن مركز القرار الحقيقي ظل في القصر الجمهوري.

خلاف داخل البرلمان حول براءات اختراع الأدوية

واستعاد بدراوي واقعة من عام 2001، عندما كان رئيسًا للجنة التعليم بمجلس الشعب ومسؤولًا عن مناقشة قانون حماية الملكية الفكرية.

وقال إن الحكومة تقدمت وقتها بمقترح يمنح وزير الصحة سلطة منح براءات الاختراع المتعلقة بالأدوية، إلا أنه اعترض على المقترح، معتبرًا أن الجمع بين سلطة منح البراءة وسلطات تنظيم الدواء وتسعيره واستخدامه يمكن أن يخلق بيئة تسمح بتعارض المصالح والفساد.

وأضاف أن رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عاطف عبيد دعا إلى اجتماع شارك فيه عدد من الوزراء وقيادات الحزب الوطني لمناقشة الخلاف، لكنه تمسك برفضه للمقترح، مؤكدًا أن الحزب وقف إلى جانبه في هذه القضية.

وقال بدراوي إن مناقشة المادة المختلف عليها أُجلت في البرلمان بعد إعلان وجود خلاف بين رئيس اللجنة والوزير المختص.

وأشار إلى أنه تلقى بعد ذلك اتصالًا من الرئيس حسني مبارك يسأله عن سبب تعطل قانون حماية الملكية الفكرية، لما له من صلة باتفاقات اقتصادية وتجارية مع أوروبا.

وأضاف أنه شرح للرئيس أسباب اعتراضه، ليرد عليه مبارك، وفق روايته، بأنه «معه حق»، مشيرًا إلى أن وزير الصحة تم تغييره بعد ذلك.

مبارك طلب مني عدم حضور جلسة تمديد الطوارئ

وكشف بدراوي عن موقف آخر يتعلق بتمديد حالة الطوارئ، موضحًا أنه كان معارضًا لاستمرارها رغم وجوده داخل الحزب الوطني.

وقال إنه كان يمتلك، بحكم موقعه البرلماني، حق الحديث لمدة عشر دقائق خلال الجلسة، وإن قيادات داخل الحزب أبدت قلقها من تأثير موقفه على النواب.

وأضاف أنه تلقى اتصالًا مباشرًا من مبارك، وقال إن الرئيس لم يطلب منه تغيير رأيه أو الصمت، وإنما قال له، وفق روايته: «أنا فاهم وجهة نظرك، لكن أنت ما تعرفش إحنا عايزين نعمل كده ليه، وأنا بطلب منك ما تحضرش الجلسة».

وأوضح أنه استجاب للطلب ولم يحضر الجلسة، معتبرًا أن الواقعة تعكس وجود مساحة، ولو محدودة، لاحترام الرأي المختلف داخل الحزب في ذلك الوقت.

صراعات داخل الحزب الوطني وانتخابات 2005

وقال بدراوي إن مواقفه المعارضة لبعض سياسات الحزب لم تؤد إلى مطالبته صراحة بالاستقالة، لكنه تحدث عن ممارسات قال إنها كانت تستهدف دفعه إلى الخروج من الحزب.

واستشهد بانتخابات عام 2005، قائلًا إنه خاضها ممثلًا للحزب، بينما دُفع بمرشح آخر من داخل الحزب نفسه ضده، معتبرًا أن الهدف كان إسقاطه ودفعه إلى تقديم استقالته.

وأشار إلى وجود خلافات مع عدد من قيادات ما كان يُعرف بـ«الحرس القديم» داخل الحزب الوطني، ومن بينهم صفوت الشريف وكمال الشاذلي والدكتور زكريا عزمي، لكنه رفض تحديد شخص بعينه باعتباره المسؤول المباشر عن استهدافه.

وأضاف أن مبارك اتصل به بعد ذلك وأبلغه بأنه سيعينه في مجلس الشورى.

عرض وزارة الصحة ورفضها بسبب تضارب المصالح

وكشف بدراوي أن وزارة الصحة عُرضت عليه خلال أحد التعديلات الوزارية في عهد مبارك، لكنه رفض توليها.

وأوضح أن سبب رفضه كان وجود تضارب مصالح، نظرًا إلى امتلاكه مستشفى وشركة تعمل في مجال التأمين، مؤكدًا أنه لم يكن يريد الجمع بين موقع تنفيذي شديد الحساسية ومصالح خاصة مرتبطة بالقطاع الصحي.

وقال إن وزارة الصحة عُرضت عليه مرة أخرى لاحقًا، لكنه ظل متمسكًا بموقفه.

وأشار كذلك إلى أنه كان مرشحًا لتولي وزارة التربية والتعليم في حكومة المهندس إبراهيم محلب عام 2014، لكنه طرح رؤية تقوم على دمج وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والشباب في إطار مؤسسي أكثر تكاملًا.

وأوضح أن رئيس الحكومة لم يوافق على المقترح، معتبرًا أن رؤيته لإصلاح الجهاز التنفيذي كانت تقوم منذ سنوات على تقليل عدد الوزارات ودمج الملفات المتقاربة.

«الطاقة السلبية تهزم الشعوب من الداخل»

وتحدث بدراوي عن ما وصفه بـ«غرس السلبية» داخل المجتمع، معتبرًا أن نشر الإحباط والانهزامية بين المواطنين يمكن أن يتحول إلى نوع من أنواع الاستعمار النفسي.

وقال إن مصر تمتلك، من وجهة نظره، مقومات كبيرة تؤهلها لأن تكون دولة قوية، مشيرًا إلى موقعها الجغرافي، والبحرين الأحمر والمتوسط، ونهر النيل، والمناخ، ومصادر الطاقة، والموارد البشرية الكبيرة.

وأضاف أن المجتمع المصري يضم ملايين الشباب أصحاب القدرات والإمكانات، إلى جانب ثروة تاريخية وسياحية كبيرة، لكنه يحتاج إلى إدارة أفضل لهذه الموارد.

وأكد أن التركيز المستمر على السلبيات والفساد دون إبراز النماذج الإيجابية يساهم، وفق رؤيته، في خلق حالة من الإحباط الجمعي.

واعتبر أن التعليم والإعلام والثقافة والشباب تمثل الأدوات الأساسية لبناء العقل الجمعي للمجتمع، محذرًا من غياب التناغم بينها.

أزمة الديون.. وتحذير من غياب العائد

وفي الملف الاقتصادي، قال بدراوي إن الأزمة الرئيسية التي يراها تتمثل في تزايد أعباء الدين الخارجي والداخلي، والتي يتحمل المواطن الجزء الأكبر من آثارها.

وأوضح أن الاقتراض ليس مشكلة في حد ذاته، لأن مختلف الدول والمؤسسات تلجأ إلى الديون، لكن المشكلة تتعلق بكيفية استخدام الأموال المقترضة.

وتساءل عما إذا كانت الديون تُوجه إلى مشروعات تحقق عائدًا يسمح بسداد أصل الدين وفوائده، محذرًا من تراكم الديون إذا لم تحقق الاستثمارات عوائد اقتصادية كافية.

كما شدد على أهمية وجود برلمان قادر على مراقبة الإنفاق العام والتأكد من كفاءة تكلفة المشروعات، معتبرًا أن غياب الرقابة الفعالة يضعف القدرة على تقييم جدوى الإنفاق.

سد النهضة.. «خطر كبير» على مصر

وتطرق بدراوي إلى ملف مياه النيل والعلاقات مع إثيوبيا، معتبرًا أن التطورات المرتبطة بالسدود الإثيوبية تمثل خطرًا كبيرًا على مصر.

وقال إن نهر النيل سيظل عنصرًا رئيسيًا في حياة البلاد، مشيرًا إلى أن الأوضاع المحيطة بمصر في السودان وليبيا وفلسطين وإثيوبيا تزيد من حجم التحديات الإقليمية.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يمتلك المعلومات الداخلية الكاملة التي تسمح له بتحديد طبيعة القرارات التي يجب أن تتخذها الدولة في مواجهة هذه التحديات.

واعتبر أن القوة العسكرية يجب أن يكون هدفها الأساسي منع الحرب والردع، وليس الاندفاع إلى مواجهات مسلحة، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

«كنت مؤمنًا بالقيم الأمريكية ثم شعرت بالخيانة»

وفي حديثه عن الولايات المتحدة والسياسات الدولية، قال بدراوي إنه كان مؤمنًا في السابق بالقيم التي تطرحها واشنطن بشأن الحرية وحقوق الإنسان والتجارة الحرة.

وأضاف أنه شعر لاحقًا بأن الممارسة الأمريكية لا تتطابق مع تلك الشعارات، واصفًا ذلك بأنه «خيانة شخصية» للقيم التي كان يؤمن بها.

واعتبر أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط تتسم بدرجة كبيرة من التدخل في شؤون دول المنطقة، كما رأى أن إسرائيل تمتلك نفوذًا واسعًا داخل صناعة القرار الأمريكي.

بدراوي: أنا ضد الثورات ومع الإصلاح التدريجي

وأكد بدراوي أنه لا ينتمي إلى مدرسة التغيير عبر الثورات، وإنما يرى نفسه مؤمنًا بالإصلاح التدريجي من داخل النظام ومؤسسات الدولة.

وقال إن الثورة، من وجهة نظره، يمكن أن تهدم واقعًا قائمًا، لكنها لا تبني وحدها الحضارة أو النظام الذي يأتي بعدها، معتبرًا أن الإصلاح المستدام يحتاج إلى مؤسسات وقواعد سياسية واقتصادية وتعليمية قادرة على الاستمرار.

ويقدم بدراوي، في شهادته، قراءة نقدية لتجربته داخل الحزب الوطني ومؤسسات الدولة، مستعيدًا مواقف وخلافات امتدت على مدار سنوات مع عدد من أبرز رموز السلطة في عهد مبارك، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن إصلاح الحياة السياسية يظل مرتبطًا، في رؤيته، بوجود المحاسبة وتداول السلطة واستقلال المؤسسات وحرية التعبير.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى