
العطس فعل نمارسه منذ ولادتنا تقريبًا دون أن نفكر فيه. نشعر بوخزة صغيرة في الأنف، يتغير وجهنا، نأخذ شهيقًا عميقًا، نغمض أعيننا غالبًا، ثم يحدث الانفجار: «آتشي!».
ثانية واحدة، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنني عندما تأملت العطس وجدته أكثر إثارة مما يبدو. فمن الذي قرر أن نعطس؟ ولماذا لا نستطيع أحيانًا إيقاف العطسة بعد أن تبدأ؟ ولماذا نشعر بعدها براحة، بل بشيء من المتعة أحيانًا؟ ولماذا يعطس بعض الناس عندما ينظرون إلى الشمس؟ والأغرب: هل صحيح أن هناك علاقة، ولو نادرة، بين العطس والإثارة الجنسية أو الانفعال النفسي؟
وراء هذه الحركة الصغيرة قصة عصبية جميلة.
من الذي يصدر أمر العطس؟
العطس في الأصل آلية دفاع.
يدخل غبار إلى الأنف، أو حبوب لقاح، أو رائحة نفاذة، أو مادة كيميائية مهيجة، أو يحدث التهاب في الغشاء المخاطي أثناء نزلة برد.
تلتقط نهايات عصبية حسية هذا التهيج، وتنتقل الرسالة، خصوصًا عبر فروع العصب الخامس، Trigeminal nerve، إلى شبكات عصبية في جذع المخ مسؤولة عن تنسيق منعكس العطس.
وهنا يتولى الجهاز العصبي المهمة.
يأمر الجسم بأخذ شهيق عميق، وتتحرك عضلات الحنجرة والصدر والحجاب الحاجز والبطن في تسلسل بالغ الدقة، وتُغلق للحظة الفتحة بين الحبلين الصوتيين في الحنجرة، التي تسمى glottis «المزمار»، للحظات، فيتراكم الضغط داخل الصدر، ثم ينفتح الطريق فجأة فيندفع الهواء بقوة عبر الأنف والفم.
أي أن العطسة التي تبدو حركة عشوائية هي في الحقيقة برنامج عصبي عضلي منظم، يشترك في تنفيذه عدد كبير من الأعصاب والعضلات خلال زمن بالغ القصر، كسيمفونية لمجموعة آلات.
الجسد لا يعطس عبثًا.
إنه يحاول أن يطرد شيئًا لا يريده.
العطس والكحة… ابنا عائلة واحدة
قد يبدو العطس والسعال شيئين مختلفين، لكنهما في الحقيقة آليتان دفاعيتان متقاربتان.
الفرق الأساسي هو مكان الإنذار.
في العطس يأتي الإنذار غالبًا من الأنف والممرات الأنفية، فيكون الهدف تنظيف الجزء العلوي من الجهاز التنفسي.
أما الكحة، أو السعال، فتنطلق غالبًا نتيجة تهيج المستقبلات الموجودة في الحنجرة والقصبة الهوائية والشُّعب الهوائية، ويكون الهدف حماية وتنظيف المجرى التنفسي السفلي.
وبطريقة أكثر بساطة:
العطسة تقول: هناك شيء في أنفي أريد إخراجه.
والكحة تقول: هناك شيء في مجرى تنفسي أريد التخلص منه.
وكلاهما مثال رائع على أن الجسم يملك آليات حماية تعمل قبل أن نستأذن وعينا.
لماذا لا نستطيع إيقاف العطسة بسهولة؟
يمكن أحيانًا إحباط العطسة في بدايتها، ولكن عندما يصل المنعكس العصبي إلى مرحلة معينة يصبح إيقافه أصعب كثيرًا.
وهنا تظهر نقطة فلسفية صغيرة أحبها.
فنحن نتصور عادة أننا أصحاب القرار الكامل في أجسادنا. ولكن كم من الأشياء تحدث فينا دون أن نقررها؟
القلب ينبض.
الأمعاء تتحرك.
الحدقة تتسع وتضيق.
الهرمونات تُفرز.
ننام ونستيقظ.
ونعطس.
الإرادة البشرية مهمة، لكنها ليست المدير الوحيد لهذا الكيان الذي نسميه «أنا».
ولماذا تكون العطسة ممتعة أحيانًا؟
هذه واحدة من أكثر ملاحظات العطس طرافة.
قبل العطسة يتصاعد إحساس بالتهيج والتوتر. نشعر أن شيئًا «قادم». نأخذ الشهيق، تنقبض العضلات، يرتفع الضغط، ثم يحدث فجأة تفريغ سريع لكل ذلك.
وبعدها نشعر بالراحة.
ربما لهذا السبب تبدو العطسة أحيانًا ممتعة؛ فهي انتقال سريع من التوتر إلى التحرر.
وتنتشر تفسيرات شعبية تقول إن العطس يؤدي بالضرورة إلى إفراز الإندورفين أو الدوبامين، لكن من الأفضل علميًا ألا نقدم ذلك كحقيقة مؤكدة؛ فالأدلة المباشرة على أن هذه المواد هي تحديدًا المسؤولة عن متعة العطس ليست حاسمة.
الأكثر دقة أن نقول إن العطسة تنهي حالة من التهيج والتوتر الحسي والعضلي والعصبي بصورة مفاجئة، فيترجم المخ هذا الانتقال عند بعض الناس إلى إحساس واضح بالراحة، وربما المتعة القصيرة.
ولكن… ما علاقة الجنس بالعطس؟
هنا تصبح القصة أكثر غرابة.
هناك بالفعل حالات طبية موصوفة لأشخاص يعطسون أثناء الإثارة الجنسية، أو عند التفكير الجنسي، أو بعد الوصول إلى النشوة.
لكن ذلك لا يعني أن العطس رمز جنسي خفي، ولا أن كل من عطس قد دخل في حالة إثارة!
المسألة أكثر بساطة وأجمل من ذلك.
الإثارة الجنسية ليست حدثًا يحدث في الأعضاء التناسلية وحدها؛ إنها حالة عصبية ووعائية يشترك فيها الجهاز العصبي الذاتي Autonomic nervous system، وهو الجهاز نفسه الذي يشارك في تنظيم عدد هائل من الوظائف اللاإرادية في الجسم.
والأنف عضو غني بالأوعية الدموية والأعصاب ويتأثر بتغيرات النشاط العصبي الذاتي.
ومن هنا يُعتقد أن التداخل بين بعض هذه الدوائر العصبية قد يفسر لماذا يؤدي التنبيه الجنسي عند أشخاص معينين إلى احتقان الأنف أو العطس.
إذن هناك علاقة ممكنة، لكنها ليست علاقة بين «العطس والجنس» مباشرة، وإنما بين شبكات عصبية متداخلة تشارك في ظواهر تبدو لنا منفصلة.
والشمس أيضًا تجعل بعض الناس يعطسون
ربما خرج أحدنا يومًا من غرفة مظلمة إلى ضوء الشمس، فنظر إلى السماء وعطس.
هذه ليست مصادفة بالضرورة.
هناك ظاهرة معروفة تسمى Photic sneeze reflex، أي منعكس العطس المحفَّز بالضوء.
عند بعض الأشخاص يؤدي الانتقال المفاجئ إلى الضوء الساطع إلى إثارة منعكس العطس.
والتفسير المرجح يتعلق مرة أخرى بتقارب المسارات العصبية وتداخل الإشارات القادمة من العين مع الدوائر المرتبطة بمنعكس العطس.
وكأن الجهاز العصبي شبكة هائلة من الطرق، بعضها يمر قريبًا جدًا من بعض، فتقفز إشارة أحيانًا إلى طريق مجاور.
إنها صورة مبسطة بالطبع، لكنها تساعدنا على فهم الفكرة.
وهل يمكن أن يكون العطس نفسيًا؟
نصل هنا إلى منطقة تحتاج إلى بعض الحذر.
فالإنسان ليس مجموعة أعضاء منفصلة عن مشاعره.
التوتر والقلق والخوف والإثارة تؤثر في ضربات القلب والتنفس والأمعاء والتعرق وضغط الدم، فلماذا نفترض أن الأنف يعيش خارج هذه المنظومة؟
هناك بالفعل حالات نادرة وموصوفة لما يسمى بالعطس الوظيفي أو المرتبط بعوامل نفسية، حيث تحدث نوبات متكررة وغير معتادة من العطس دون أن يفسرها سبب عضوي واضح.
لكن الخطأ هو أن نقفز مباشرة إلى التفسير النفسي.
فمن يعطس كثيرًا قد تكون لديه حساسية، أو عدوى، أو تعرض لمهيجات، أو مشكلة في الأنف، وهذه الاحتمالات أولى بالفحص قبل أن نقول إن السبب نفسي.
وهذه قاعدة أوسع في الطب: وجود تأثير للنفس في الجسد لا يعني أن كل عرض جسدي نفسي المنشأ.
الجسد لا يعرف الحدود التي رسمناها له
ربما أكثر ما يعجبني في قصة العطس أنها تكشف خطأً نرتكبه كثيرًا عندما نفكر في الإنسان.
نحن نقسمه إلى أقسام.
هذا أنف.
وهذا مخ.
وهذه أعصاب.
وهذه أعضاء جنسية.
وهذه نفس.
وهذه مشاعر.
ثم نتعجب عندما نجد أن الضوء الذي يدخل العين يمكن أن يجعل الأنف يعطس، وأن الانفعال النفسي يستطيع تغيير ضربات القلب، وأن الإثارة الجنسية قد تؤثر في الأوعية الدموية داخل الأنف.
المشكلة ليست في الجسم.
المشكلة في التقسيم الذي وضعناه نحن لفهمه.
فالجسد لا يقرأ كتب التشريح مقسمة إلى فصول.
العصب لا يعرف أنه موجود في فصل الأنف، والهرمون لا يعرف أنه ينتمي إلى فصل الغدد، والجهاز العصبي الذاتي لا يعترف بالحدود التي رسمها التخصص الطبي بين عضو وآخر.
إنه كيان واحد.
ولذلك ربما تستحق العطسة، في المرة القادمة التي تفاجئنا فيها، أكثر من مجرد «يرحمكم الله».
فوراء تلك الثانية العابرة شبكة من الأعصاب والعضلات والحواس، وقرار دفاعي اتخذه المخ دون استشارتنا، وتداخل مذهل بين ما نسميه الجسد وما نسميه النفس.
وربما كان السؤال الأوسع الذي تتركه لنا العطسة هو:
إذا كان كل هذا يحدث في داخلي دون أن أقرره، فمن هو بالضبط ذلك الذي أسميه «أنا»؟







