
يُحكى أن سيدةً ملتزمة فتحت باب بيتها لطارقٍ قبل أن تتأكد من هويته، وكانت عارية الرأس، وحين اكتشفت هويته، حاولت أن تغطي رأسها، فرفعت فستانها لتستر رأسها، فكشفت جسدها كله.
وهذا، في جوهره، ما نفعله نحن اليوم، فعندما اكتشفنا عجزنا عن الاستجابة لاستحقاقات شعبنا في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، هربنا من مواجهة الأسئلة الأخطر، وانشغلنا بتغطية عورةٍ بأخرى أكثر خطرًا. بدل أن نواجه عورة تغييب الديمقراطية، أخذنا نغطيها بتغييب الوطن والشعب والقضية كلها، ونستبدل الاستحقاقات الوطنية الكبرى بمعركة حول انتخاباتٍ تقول كل المؤشرات إنها قد لا تأتي أصلًا، وإن جاءت فقد لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام والتشرذم والفضائح السياسية.
وهكذا ننشغل بتغطية عورة الانتخابات، فيما تبقى العورات الأكبر مكشوفة: غياب الرؤية الوطنية، وتفكك النظام السياسي، وانقسام الشعب، وضياع وحدة الوطن، والعجز عن حماية الحقوق والاستجابة لمعاناة الناس، والأسوأ أننا، من فرط تكرار الكذبة، نكاد نصدقها، فنستبدل مواجهة الحقيقة الأهم بالانشغال بما هو أسهل، ونخفي عجزنا عن مواجهة الأسئلة الكبرى خلف معركةٍ جانبية، ثم ندفن الحقيقة بدل أن نبحث عن طريقٍ للخروج منها.
يعيش الفلسطينيون اليوم مفارقة تكاد تكون عصية على التصديق: شعب واحد، لكنه يتصرف سياسيًا كما لو أنه أكثر من شعب، ووطن واحد، لكنه يُدار في الوعي والممارسة كما لو أنه مجموعة من القطع المنفصلة، وقضية واحدة، لكنها فقدت الإطار الوطني الجامع الذي يجعل من أجزائها قضية واحدة.
والمفارقة الأشد أن الجميع، بدرجات مختلفة، صار يتعامل مع هذا الواقع كأنه قدر لا بد من التعايش معه. جرى التنازل عن الوطن باسم الواقعية، وعن وحدة الشعب باسم الظروف، وعن وحدة القوى باسم الاختلاف الذي تحول من اختلاف مشروع إلى انقسام، وعن الدولة الوطنية بتغييب مؤسساتها وتحويلها من مشروع سياسي إلى عنوان مؤجل.
هكذا أصبحنا أمام معادلة خطرة: نتنازل عن الوطن باسم الحفاظ على ما تبقى منه، ونقبل بتجزئة الشعب باسم اختلاف ظروفه، ثم نكتشف أننا، في نهاية المطاف، فقدنا القدرة على الدفاع عن الكل لأن كل جزء أصبح مشغولًا بالدفاع عن جزئه.
حين قال بعض الفلسطينيين إن الهدف هو تحرير كل فلسطين، اتُّهموا بالمغامرة وعدم الواقعية، وحين قبل آخرون بالتقسيم، اتُّهموا بالخيانة، وحين طُرحت فكرة الدولة الواحدة بوصفها محاولة لتجاوز مأزق التقسيم، لم يسلم من قبل بها من الاتهام بل والإعدام، حتى في حين لم يُتهم بشيء من ترك ما تبقى من الوطن دون أن يبادر لإعلان دولة فلسطين عليه، وظل وطنيًا لا تشوب وطنيته شائبة.
وهكذا لم يعد الخلاف الفلسطيني خلافًا طبيعيًا حول أفضل طريق إلى الحرية، بل تحول تدريجيًا إلى صراع حول تعريف الحرية نفسها.
لكن المفارقة أن الشيء الذي اقتربنا من الاتفاق عليه عمليًا كان الأكثر خطورة: أن نقبل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن يصبح الوطن أجزاءً، وأن يصبح لكل جزء أولوياته السياسية والأمنية والإدارية، وأن يصبح الفلسطيني ابنَ المكان الذي يعيش فيه قبل أن يكون ابنَ القضية التي تجمعه بغيره.
لقد صنعنا من أوسلو، في الوعي السياسي، دولة قبل أن تكون دولة، ثم اختلفنا على إدارتها قبل أن نمتلك السيادة عليها. انشغلنا بمن يحكم السلطة، بينما بقيت مسألة: من يملك الأرض؟ معلقة خارج النقاش اليومي، وفي الوقت الذي انشغل فيه الفلسطينيون بالسلطة، بقي الاحتلال منشغلًا بالأرض.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات التجربة الفلسطينية قسوة: اقتتلنا طويلًا، ولا زلنا، على سلطة لا تملك السيادة، بينما استمر الاحتلال في بناء السيادة على الأرض.
تركنا له الجزء الأصعب والأهم: الأرض، والحدود، والسيطرة، والموارد، والأمن، ومفاتيح الحركة، وأخذنا نحن ما يمكن أن تمنحه سلطة بلا سيادة: الألقاب والمناصب والرتب والمواكب وكل أشكال الفساد، وكان ما أخذناه قابلًا للتغيير، أما ما أخذه العدو فكان يُبنى حجرًا فوق حجر.
اليوم تقف غزة أمام واحدة من أقسى مآسيها، لا بسبب حجم الألم والدمار وحدهما، بل لأنها تشعر، قبل أي شيء آخر، بأنها تُركت وحدها لا من العالم بل من ناسها. ولسنوات، وبصورة أشد خلال الحرب الأخيرة، بدا المشهد الفلسطيني وكأن غزة تخوض معركتها، والضفة تدير معركتها، والقدس تواجه مصيرها، والفلسطينيون داخل إسرائيل يخوضون معركة حقوقهم المدنية، والشتات يعيش معركته مع النسيان، وكأن لكل جماعة فلسطينية قضية خاصة بها.
المشكلة هنا ليست أن تختلف أشكال المعاناة؛ فهذا طبيعي.
المشكلة أن اختلاف المعاناة بدأ يتحول إلى اختلاف في تعريف القضية ذاتها.
غزة تريد أن تنجو… الضفة تريد أن تبقى.
القدس تريد ألا تُبتلع… فلسطيني الداخل يريد أن يحافظ على حقوقه وهويته ومكانه.
واللاجئ يريد ألا تتحول غربته إلى حقيقة نهائية.
لكن ما الذي يجمع هذه المصائر كلها؟
إن لم تكن هناك إجابة وطنية جامعة عن هذا السؤال، فإن التجزئة الجغرافية ستتحول بمرور الزمن إلى تجزئة سياسية، ثم إلى تجزئة في الوعي، ثم إلى تعدد شعوب داخل شعب واحد.
حين يصبح الانتماء الجغرافي أقوى من الانتماء الوطني
ماذا يعني أن تكون غزة فلسطينية، والضفة فلسطينية، والقدس فلسطينية، وحيفا فلسطينية، والناصرة فلسطينية، والنقب فلسطينيًا، ووادي عارة فلسطينيًا، والشتات فلسطينيًا، ثم لا تكون هناك مؤسسة سياسية قادرة على جمع هذه الجغرافيا كلها في رؤية وطنية واحدة؟
هل ما زلنا شعبًا واحدًا بالمعنى السياسي، أم أصبحنا شعوبًا متجاورة يشترك أفرادها في الذاكرة أكثر مما يشتركون في الفعل الوطني؟
لم تعد المشكلة في كثرة الأسماء، بل في غياب الاسم الجامع.
غزاوي.
ضفاوي.
مقدسي.
فلسطيني الداخل.
لاجئ 1948.
نازح 1967.
نازح من غزة إلى غزة.
نازح من الضفة إلى الضفة.
فلسطيني الشتات بكل ألقابهم، حتى صار المنفى منبتًا بعد أن تعددت الجهات.
كل اسم منها يصف جزءًا حقيقيًا من المأساة، لكن الخطر يبدأ حين يصبح الجزء بديلًا عن الكل.
فحين تصبح الجغرافيا تعريفًا للهوية السياسية، يصبح الوطن نفسه هو الخاسر.
فالمأساة أن الفلسطيني أصبح قادرًا على اتهام الفلسطيني تقريبًا مهما فعل.
من يقاوم متهم.
ومن يسالم متهم.
ومن يفاوض متهم.
ومن يرفض التفاوض متهم.
ومن يبقى متهم.
ومن يغادر متهم.
ومن يصمت متهم.
ومن يتكلم متهم.
وهكذا تحول الاختلاف السياسي، الذي يفترض أن يكون مصدرًا للتعددية، إلى آلة لإنتاج التخوين.
وفي هذه البيئة، لا يعود السؤال: كيف نختلف ونبقى شعبًا واحدًا؟ بل يصبح السؤال: كيف نختلف دون أن نحول اختلافنا إلى خلاف وسببًا لانهيار وجودنا السياسي المشترك؟
لا أحد يطرق أبواب الخيام في غزة، ليس لأن أهلها لا يحتاجون إلى أحد، بل لأن المأساة تجاوزت أبواب الخيام نفسها… لا أحد يستطيع أن يضمد كل جراحها، ولا أن يعوض كل ما فقدته، لكن الأخطر من نقص الشاش والدواء هو نقص الشعور بأن هذه الجراح هي جراح الوطن كله.
وفي الضفة، حين تُقتطع أرض في جنين أو غيرها، لا تتحول القضية بالضرورة إلى فعل وطني شامل؛ وكأن ما يحدث في جزء من الضفة يمكن أن







