العالم العربي

مقاتلات جزائرية في النيجر تفتح باب التساؤلات حول تطور العقيدة العسكرية للجزائر

أثار إرسال الجزائر أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30” إلى النيجر تساؤلات بشأن تطور العقيدة العسكرية الجزائرية، في خطوة تعد الأولى من نوعها تجاه دولة مجاورة، وتأتي ضمن تصاعد لافت في مستوى التعاون العسكري بين الجزائر ونيامي.

وجاء إرسال المقاتلات استجابة لطلب من القيادة النيجرية، عقب إعلان وزير دفاع النيجر ساليفو مودي أن مجموعة من العسكريين حاولت ليلة 28 و29 أغسطس الماضي احتجاز زملاء لهم داخل قاعدة جوية في العاصمة نيامي، وأطلقت النار على مواقع استراتيجية.

وقالت وزارة الدفاع الجزائرية إن رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة أمر بإرسال دوريتين من مقاتلات “سوخوي سو-30″، تضمان أربع طائرات، لدعم جيش النيجر في مواجهة محاولة “زعزعة استقرار” البلاد.

وأوضحت أن التحرك جاء تنفيذا لتعليمات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، واستجابة لطلب القيادة النيجرية، وفي إطار تعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي بين البلدين، خصوصا في المجال العسكري.

وكان رئيس وزراء النيجر محمد لمين الزين في استقبال المقاتلات الجزائرية، وأعرب عن شكره للرئيس تبون والشعب الجزائري على ما وصفه بـ”الدعم النوعي”.

ولم تعلن الجزائر حتى الآن المدة المقررة لبقاء المقاتلات على الأراضي النيجرية، كما لم تكشف بصورة تفصيلية طبيعة المهام التي ستتولاها الطائرات.

دعم عسكري جزائري متصاعد للنيجر

تأتي الخطوة بعد أقل من شهر على تقديم الجزائر دعما عسكريا آخر للنيجر، ما يعكس تسارعا في وتيرة التعاون الدفاعي بين البلدين.

ففي 9 أغسطس الماضي، أعلنت الجزائر تقديم هبة عسكرية إلى النيجر شملت أربع مروحيات، إلى جانب عتاد وتجهيزات وذخائر وقطع غيار.

وضمت الهبة مروحيتين من طراز “MI-24V”، ومروحيتين من طراز “MI-171″، في إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي والعسكري بين الجزائر والنيجر.

وبذلك، انتقل الدعم الجزائري خلال أقل من شهر من تزويد نيامي بمروحيات عسكرية وعتاد وذخائر إلى نشر أربع مقاتلات جزائرية داخل الأراضي النيجرية.

وتتقاسم الجزائر والنيجر حدودا برية تتجاوز 900 كيلومتر، وسط منطقة تشهد تحديات أمنية معقدة تشمل نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، فضلا عن تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في منطقة الساحل الإفريقي.

هل تغير الجزائر عقيدتها العسكرية؟

يمثل وجود المقاتلات الجزائرية في النيجر سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، وفتح الباب أمام نقاش بشأن ما إذا كانت الجزائر تتجه نحو تغيير عقيدتها العسكرية التقليدية، أم أنها توسع نطاق تطبيق هذه العقيدة بما يسمح بتحرك أمني أكبر خارج الحدود لحماية مصالحها.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر إدريس عطية أن إرسال المقاتلات لا يكفي للقول إن الجزائر تخلت عن عقيدتها العسكرية المعروفة.

واعتبر عطية أن الخطوة تحمل أهمية استراتيجية كبيرة، لكن الأدق هو الحديث عن “توسع في تطبيق العقيدة الدفاعية خارج الحدود”، وليس انقلابا عليها.

وأوضح أن الجزائر حافظت تاريخيا على مبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها، لكن هذا المبدأ لا يعني بالضرورة الامتناع عن تقديم الدعم العسكري إلى دولة مجاورة أو حماية المصالح الأمنية الجزائرية من خلال عمقها الاستراتيجي.

ويرى أن التطور الأبرز يتمثل في انتقال الجزائر من الدعم العسكري غير المباشر إلى إظهار قدرة جوية عسكرية جزائرية داخل أراضي دولة أخرى.

وأشار إلى أن الجزائر تنظر إلى النيجر باعتبارها جزءا من الفضاء الأمني المباشر لجنوب البلاد، في ظل الحدود الطويلة بين الدولتين وتهديدات الجماعات المسلحة العابرة للحدود وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، إلى جانب التنافس الدولي المتصاعد في منطقة الساحل.

وبحسب هذا التصور، فإن أي اضطرابات كبيرة تشهدها نيامي قد تترك تداعيات أمنية مباشرة على الجزائر.

حماية المصالح والمشروعات الاستراتيجية

ويرى خبير الدبلوماسية والسياسة الخارجية فريد بن يحيى أن التحرك العسكري الجزائري يندرج في إطار دعم الدول المجاورة وحماية المصالح المشتركة معها.

وأشار إلى ارتباط الجزائر والنيجر بمشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي ينطلق من نيجيريا ويمر عبر النيجر والجزائر، ضمن مشروع يستهدف نقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

واعتبر أن دعم النيجر بالمروحيات ثم المقاتلات يحمل رسالة تتعلق بحماية المشروعات الاستراتيجية التي تربط الجزائر بدول الجوار، إلى جانب المساهمة في دعم استقرار المنطقة.

ويرى بن يحيى أن وجود المقاتلات الجزائرية في مطار نيامي يمنح الحكومة النيجرية دعما من دولة مجاورة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، بما يعزز قدرتها على مواجهة التهديدات التي قد تستهدف استقرار البلاد.

وشدد على أن إرسال الطائرات جاء بناء على طلب من النيجر، معتبرا أن الخطوة قد تعكس توجها جزائريا نحو رؤية أوسع للدفاع عن الشراكات والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة مع دول الجوار.

من حرب أكتوبر إلى النيجر

تبنت الجزائر تاريخيا عقيدة عسكرية دفاعية تقوم على عدم خروج قواتها المسلحة إلى خارج حدود البلاد، بالتوازي مع سياسة خارجية تستند إلى مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها.

ولم ترسل الجزائر دوريات مقاتلة إلى خارج حدودها منذ حرب أكتوبر 1973، عندما شاركت قوات جزائرية إلى جانب مصر ودول عربية أخرى في الحرب ضد إسرائيل.

إلا أن التعديل الدستوري الذي أقرته الجزائر عام 2020 أدخل تغييرا مهما، إذ أتاح إمكانية مشاركة الجيش في عمليات حفظ السلام وإرسال وحدات عسكرية إلى خارج البلاد وفق ضوابط دستورية.

وتنص المادة 91 من الدستور الجزائري على أن رئيس الجمهورية يقرر إرسال وحدات من الجيش إلى خارج البلاد بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان.

وفي حالة النيجر، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إرسال “دوريتين” من الطائرات القتالية استجابة لطلب القيادة النيجرية، دون الكشف عن مدة بقائهما أو التفاصيل الكاملة لطبيعة مهمتهما.

وبينما لا تزال تفاصيل المهمة محدودة، تضع الخطوة العلاقات العسكرية بين الجزائر والنيجر أمام مرحلة جديدة، وتطرح تساؤلات حول ما إذا كان التحرك سيظل حالة استثنائية مرتبطة بالتطورات في نيامي، أم يمثل بداية لتوسع أكبر في الدور الدفاعي الجزائري داخل منطقة الساحل الإفريقي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى