
في المقاهي العتيقة بوسط أوروبا، وفي ساحات الجامعات العريقة، وفي أماكن العمل المفتوحة على ثقافات العالم، ثمة مشهد لطالما استوقفني وأنا أتنقل بين مدن القارة العجوز.
إنه الفرق الشاسع بين شاب أوروبي وُلد هنا، وشاب عربي اختار أو قُدّر له أن يعيش هنا.
كلاهما يرفع شعار الحرية، وكلاهما يتحدث عنها بحماس، لكن الفرق بينهما لا يكمن في الكلمة ذاتها، بل في عمق فهمها، وفي طريقة تحويلها إلى سلوك يومي مسؤول.
الحرية كمسؤولية لا كرخصة
فالشباب الأوروبي، في غالبيته، لا ينظر إلى الحرية باعتبارها فضاءً مفتوحًا بلا حدود، بل يراها عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب أنت حر ما لم تضر غيرك، وما لم تمسّ حقوق الآخرين، وما لم تعتدِ على المساحة المشتركة.
إنها حرية تُدار بعقلانية هادئة، وتُترجم إلى احترام للقانون، والتزام بالمواعيد، ووعي بالواجب قبل المطالبة بالحق.
الحرية عندهم ليست شتائم بلا حساب، ولا سلوكًا فوضويًا في الشارع، ولا استهتارًا بالآخرين باسم “التعبير عن الذات”.
في الحرم الجامعي، تجد الطالب الأوروبي يجادل أستاذه بحرية، لكنه لا يتجاوز حدود اللياقة وفي العمل، يرفض قرارًا يراه مجحفًا، لكنه يقدم بديلًا ويحترم التسلسل الإداري هذه ليست قيودًا على الحرية، بل هي نضج في ممارستها.
إنها ثقافة ترعرعت في بيوتهم ومدارسهم، وتشربوها من مجتمع يعرف أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.
في المقابل الشباب العربي في أوروبا بين انبهار وتيه، فثمة شريحة ليست قليلة من الشباب العربي المقيم في أوروبا، خاصة من جيل اللجوء في الخمسه عشر سنه الاخيرة، تتعامل مع الحرية بمنطق مختلف تمامًا.
كثيرًا ما تُختزل الحرية لديهم في كسر المحرمات التي أتوا منها، أو في ممارسة أمور كانت ممنوعة في بلدانهم الأصلية، ظنًا منهم أن هذا هو جوهر الانعتاق.
فيتحول بعضهم إلى رد فعل مبالغ فيه على الماضي تجاوز للقوانين بدعوى أنها “أوروبا حرة”، وعلاقات اجتماعية مضطربة بغطاء “الانفتاح”، وإهمال للمسؤوليات الدراسية أو المهنية بحجة أن “الحرية تمنحني حق اختيار ما أريد”، دون أن يدركوا أن الحرية الحقيقية تقوم على الاختيار الواعي، لا على التمرد الأعمى.
المشكلة أن هذا الفهم المغلوط لا يضر فقط بصورة هؤلاء الشباب أمام المجتمع الأوروبي، بل يضر بهم هم أنفسهم.
إنهم يعيشون حرية شكلية، فيشعرون بلذة مؤقتة، ثم يجدون أنفسهم في فراغ قيمي ونفسي، لأنهم لم يبنوا حريتهم على أساس من الوعي، بل على هدم كل ما سبق دون بناء بديل ناضج.
أين يكمن الخلل؟
إن الفرق الجوهري هنا ليس في الجغرافيا، ولا في الجنسية، ولا في الدين إنه في التربية على مفهوم الحرية منذ الصغر.
الشاب الأوروبي تعلّم في المدرسة أن حريتك تقف عند أنف الآخر، وأن القانون ليس عدوًا لحريتك بل حاميها.
بينما كثير من الشباب العربي لم يتلقَّ هذا الدرس لا في المدرسة ولا في البيت، فجاء إلى أوروبا وهو يحمل تصورًا مشوهًا أن الحرية هي ألا يسألك أحد عما تفعل، لا أن تكون قادرًا على فعل الصواب بملء إرادتك.
ثم إن بعض الشباب العربي يخلط بين “الحرية” و”الضياع” يظن أن الحرية تعني ألا تكون مسؤولًا عن شيء، بينما هي في العمق أن تكون مسؤولًا عن كل شيء تفعله.
الحرية ليست غياب القيود فقط، بل هي القدرة على ضبط النفس، واحترام القانون، واحترام الذات.
نحو حرية واعية فإن ما نحتاجه اليوم هو جسر بين الفهمين أن نأخذ من التجربة الأوروبية انضباطها في ممارسة الحرية، وأن يدرك الشباب العربي أن حريته في أوروبا ليست هروبًا من الماضي، بل فرصة لبناء شخصية متزنة تجمع بين الانفتاح على العالم والتشبث بالقيم الإنسانية النبيلة.
الحرية الحقيقية هي تلك التي تمارسها وأنت واثق من نفسك، لا تلك التي تستعرضها أمام الآخرين لإثبات أنك “اندمجت”.
إنها حرية الفكر النقدي البناء، وحرية الاختلاف باحترام، وحرية أن تكون مختلفًا دون أن تكون مستفزًا.
ختامًا، لنتذكر دائمًا أن من يسيء استعمال الحرية، لا يفهمها بعد وأن أول علامات الفهم هي التوقف عن اعتبار الحرية غاية في حد ذاتها، والبدء في النظر إليها كوسيلة ليكون الإنسان أفضل، لا أكثر فوضى.







