مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: فلسفة حجر رشيد.. من الهيروغليفية إلى لغة الكون

تعلمنا في المدرسة قصة حجر رشيد في صورة بسيطة وسطحية، تكاد تشبه الحكاية: عثر الفرنسيون على حجر كُتب عليه نص بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية، ولأن العلماء كانوا يعرفون اليونانية، استطاع شامبليون أن «يترجم» الهيروغليفية، فعرفنا لغة المصريين القدماء.

الحكاية أن حجر رشيد عُثر عليه خلال أعمال تدعيم قلعة قايتباي بمدينة رشيد، التي أطلق عليها الفرنسيون آنذاك اسم «حصن جوليان»، وذلك أثناء تنفيذ تحصينات عسكرية تحت إشراف الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار.

وقد استرعى الحجر انتباه بوشار لما يحمله من نقوش مكتوبة بثلاثة خطوط مختلفة، فأدرك أن أمامه اكتشافًا قد تكون له قيمة علمية كبيرة، فسارع بإبلاغ قادة الحملة الفرنسية.

القصة صحيحة في خطوطها العامة، لكنها تخفي وراء بساطتها واحدة من أجمل مغامرات العقل البشري.

فحجر رشيد لم يكن قاموسًا، ولم تكن هناك كلمة يونانية يقابلها معناها الهيروغليفي كما في كتب تعلم اللغات. كان الأمر أكثر تعقيدًا وإثارة: أمام الإنسان علامات يراها ولكنه لا يفهمها، ورسالة موجودة بالفعل لكنه فقد مفتاح قراءتها.

وهنا، بالنسبة إليّ، تبدأ فلسفة حجر رشيد.

الحضارة التي فقدت صوتها

عُثر على الحجر سنة 1799 بالقرب من مدينة رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر. وهو جزء من لوحة تحمل مرسومًا صدر سنة 196 قبل الميلاد في عهد بطليموس الخامس، وكُتب مضمونه بثلاثة أنظمة كتابية: الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة.

كان العلماء يستطيعون قراءة اليونانية، ومن ثم عرفوا مضمون المرسوم. لكن التحدي الحقيقي كان اكتشاف الكيفية التي عبرت بها الكتابة المصرية عن المعنى نفسه.

وقد شارك أكثر من عالم في هذه المغامرة، وكان لتوماس يونغ إسهام مهم، قبل أن يحقق جان-فرانسوا شامبليون الاختراق الحاسم عندما أدرك أن الهيروغليفية ليست مجرد صور ترمز إلى أفكار غامضة كما شاع الاعتقاد طويلًا، بل نظام كتابة معقد يمكن أن تؤدي علاماته وظائف صوتية ودلالية مختلفة.

وكانت أسماء الملوك المكتوبة داخل الخراطيش الملكية من المفاتيح المهمة. فإذا كان النص اليوناني يذكر اسم «بطليموس»، وعُرف موضع الاسم المقابل في النص المصري، أمكن البدء في مقارنة العلامات بالأصوات.

شيئًا فشيئًا بدأت الصور تنطق.

لكن المفارقة المدهشة أن العلامات لم تكن قد صمتت أصلًا.

كانت موجودة على جدران المعابد والمقابر والمسلات والبرديات طوال قرون. لم تختف المعلومات، بل اختفى الإنسان القادر على قراءتها.

وهنا يظهر السؤال الفلسفي:

أين يوجد المعنى؟

هل يوجد داخل العلامة نفسها، أم ينشأ في العلاقة بين العلامة والعقل الذي يستطيع تفسيرها؟

فالعلامة الهيروغليفية لم تتغير خلال القرون التي عجز البشر فيها عن قراءتها. الذي تغير هو العقل الذي ينظر إليها. كانت في لحظة مجرد رسم، ثم أصبحت صوتًا، ثم كلمة، ثم جملة، ثم تاريخًا، حتى خرجت من صمتها حضارة كاملة.

لغة واحدة تغيّر ثيابها

وهنا ينبغي أن نصحح فكرة أخرى ربما حملناها معنا منذ المدرسة. فحجر رشيد لم يُكتب بثلاث لغات مختلفة بالمعنى الدقيق، وإنما كُتب بلغتين أساسيتين: المصرية القديمة واليونانية، وبثلاثة أنظمة للكتابة.

فالهيروغليفية والديموطيقية لم تكونا لغتين أجنبيتين إحداهما عن الأخرى، بل طريقتين لكتابة المصرية في سياقات ومراحل مختلفة. كانت الهيروغليفية هي الكتابة التصويرية المهيبة التي نراها على المعابد والمقابر والآثار الرسمية، بينما تطورت إلى جانبها أشكال أكثر سرعة وملاءمة للحياة العملية، وصولًا إلى الديموطيقية التي شاع استخدامها في العقود والحسابات والمراسلات والنصوص القانونية والأدبية. واسمها نفسه مشتق من كلمة يونانية تعني تقريبًا «الشعبي».

والأكثر إثارة أن رحلة اللغة المصرية لم تنته عند الديموطيقية. فالقبطية ليست لغة ظهرت من فراغ لتحل محل المصرية القديمة، بل هي المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية نفسها، وقد كُتبت أساسًا بحروف الأبجدية اليونانية مع إضافة علامات للتعبير عن أصوات مصرية لم تكن الحروف اليونانية قادرة على تمثيلها.

وكانت هذه الحقيقة من المفاتيح المهمة التي استفاد منها شامبليون. فقد عرف القبطية وأدرك أن وراء العلامات الهيروغليفية أصواتًا وكلمات يمكن أن يكون لبعضها امتداد في القبطية. وكأن صوت مصر القديمة، بعد أن اختفت الكتابة التي كانت تحمله، ظل يتردد في لغة أخرى حتى جاء من استطاع أن يسمعه.

وهنا تتغير أمامنا فلسفة اللغة نفسها.

فاللغة ليست الحروف التي نكتبها بها.

الحروف ثوب، أما اللغة فهي الكائن الذي يرتدي هذا الثوب.

قد تتغير العلامات ويبقى شيء من اللغة، وقد تبقى العلامات أمام أعيننا بينما نفقد القدرة على فهم اللغة التي وراءها.

ولعل هذا هو أحد أسرار حجر رشيد: أنه لا يحكي فقط كيف فك الإنسان شفرة كتابة مفقودة، بل يكشف لنا كيف تسافر اللغة عبر الزمن، فتغير شكلها وأصواتها وأبجديتها، بينما تحمل في داخلها آثارًا من ذاكرة أجيال رحلت منذ آلاف السنين.

اللغة… ذاكرة خارج الجسد

ربما كانت الكتابة واحدة من أعظم محاولات الإنسان للانتصار على الموت.

قبلها كان الإنسان يحمل معرفته في ذاكرته، فإذا مات ضاع جزء منها. أما عندما تعلم أن يحول الفكرة إلى صوت، ثم الصوت إلى علامة، والعلامة إلى نقش أو كتابة، فقد استطاع أن يضع جزءًا من عقله خارج جسده.

يموت الكاتب، وتبقى الجملة.

يسكت الصوت، وتبقى العلامة.

تسقط الدول، وقد يبقى النص.

وحجر رشيد يقدم لنا هذه الفكرة في صورتها الأكثر إثارة. مات الذين كتبوه، ومات الملك الذي صدر المرسوم في عهده، وانتهت الدولة البطلمية، وتغيرت لغات مصر ودياناتها وحكامها، وظل الكلام حبيس الحجر قرابة ألفي سنة ينتظر عقلًا يستطيع إعادة الرحلة في الاتجاه المعاكس:

من الحجر إلى العلامة، ومن العلامة إلى الصوت، ومن الصوت إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الفكرة.

لم يفك شامبليون شفرة حجر فحسب؛ لقد ساهم في إعادة الصوت إلى حضارة فقدنا القدرة على سماعها.

النص يحفظ اللغة

وهنا تستوقفني مقارنة تستحق التأمل.

فاللغات، مثل الكائنات الحية، تتغير، وبعضها يضعف أو ينقسم أو يختفي. واللغة العربية نفسها مرت خلال أربعة عشر قرنًا بتحولات هائلة، وظهرت عشرات اللهجات التي قد يبتعد بعضها عن بعض إلى درجة يصعب معها أحيانًا التفاهم بين متحدثيها.

لكن العربية الفصحى احتفظت بدرجة استثنائية من الاستمرارية.

وكان للقرآن دور بالغ في ذلك.

فقد أصبح النص القرآني مرجعًا لغويًا ثابتًا يتلوه الناس ويحفظه الملايين جيلًا بعد جيل. وبذلك لم يحفظ القرآن رسالة دينية فقط، بل ساهم تاريخيًا في حفظ بنية لغوية ومفردات وأصوات وصيغ كان من الممكن أن تتغير بدرجة أكبر بكثير أو تصبح معرفتها حكرًا على المتخصصين، كما حدث مع لغات قديمة كثيرة.

وهنا تظهر علاقة مدهشة بين النص والزمن.

نحن عادة نتصور أن اللغة تحفظ النص، لكن التاريخ يعلمنا أن النص العظيم يستطيع بدوره أن يحفظ اللغة.

وكأن هناك علاقة متبادلة: اللغة تحمل النص عبر الزمن، ثم يعود النص فيحمي اللغة من أن يبتلعها الزمن بالكامل.

حجر رشيد والسلطة

لكن الحجر يخبرنا أيضًا بشيء آخر.

لماذا كُتب المرسوم بثلاث كتابات أصلًا؟

لأن مصر البطلمية كانت مجتمعًا متعدد المستويات الثقافية واللغوية؛ وكانت السلطة تريد أن تصل رسالتها إلى أكثر من دائرة من دوائر المجتمع.

وهنا تصبح اللغة سياسة.

فاللغة ليست مجرد أداة بريئة لنقل الأفكار، بل قد تكون أداة للسلطة والشرعية وتوزيع المعرفة. ومن يحدد اللغة التي تُكتب بها القوانين، وتُدار بها المؤسسات، ويُعلَّم بها الناس، يحدد جزئيًا من يستطيع المشاركة ومن يبقى خارج دائرة الفهم.

بل إن مصير الحجر نفسه يحمل مفارقة مشابهة.

صُنع في مصر، واكتشفه الفرنسيون، وانتقل إلى البريطانيين، بينما كان فرنسي هو صاحب الاختراق الأكبر في فك رموزه.

فمن يملك الحضارة إذن؟

من صنع الأثر؟

أم من يمتلكه؟

أم من استطاع قراءته؟

أم أن المعرفة، حين تُكتشف، تصبح جزءًا من التراث الإنساني كله؟

إن امتلاك الحجر شيء، وامتلاك مفتاح فهمه شيء آخر.

حجر رشيد لم ينته

لكن أكثر ما يثيرني في هذه القصة أن «حجر رشيد» ربما لم يكن حدثًا وقع مرة واحدة في التاريخ.

ربما كان نمطًا متكررًا في رحلة المعرفة البشرية.

فنحن نعيش طوال الوقت وسط أشياء نراها ولا نفهم لغتها.

كان المصري القديم يرى النجوم، ونحن نراها أيضًا، لكن الرياضيات والفيزياء أعطتنا أبجدية جديدة لقراءتها.

رأى البشر الأمراض آلاف السنين، لكن اكتشاف الخلية والميكروب والجينات أعطاهم أحجار رشيد جديدة لفهم ما كان يحدث داخل أجسادهم طوال الوقت.

والأكثر إثارة يحدث اليوم في الفيزياء الكمية.

فقد اكتشفنا تحت العالم الذي نراه عالمًا مجهريًا بالغ الغرابة؛ عالمًا لا تتصرف فيه الأشياء بالطريقة التي اعتادها عقلنا في الحياة اليومية. الجسيمات والحقول والاحتمالات والتشابك وغيرها ليست مجرد غرائب علمية، بل إشارات إلى مستوى من الواقع كان موجودًا فينا وحولنا منذ البداية.

نحن أنفسنا مصنوعون من هذا العالم.

نعيش به، ونعيش داخله، ولم نكن نعرف لغته.

وقد تكون ميكانيكا الكم، بهذا المعنى الفلسفي، حجر رشيد آخر: ليست الحقيقة النهائية بالضرورة، وإنما مفتاح سمح لنا بقراءة بعض علامات العالم المجهري التي كانت أمامنا منذ نشأة الإنسان دون أن ندرك معناها.

وكما كان الخطأ أن ننظر إلى الهيروغليفية باعتبارها رسومًا صامتة، ربما يكون من الخطأ أيضًا أن نتصور أن الصورة التي تقدمها لنا حواسنا عن الواقع هي كل الواقع.

والكون أمامنا كأنه نص، وهنا تتسع الفكرة أكثر.

الكون كله أمامنا.

النجوم، والمجرات، والجاذبية، والمادة، والضوء، والزمن، والحياة، والجينات، والوعي.

نحن لا نصنع هذه الظواهر عندما نكتشف قوانينها. إنها كانت تعمل قبل ظهورنا بمليارات السنين.

نيوتن لم يصنع الجاذبية.

وأينشتاين لم يخلق الزمكان.

وعلماء الكم لم يخترعوا العالم المجهري.

كل ما فعلناه، ونفعله، هو أننا نتعلم قراءته.

وهنا يبدو تاريخ العلم كله كأنه محاولة طويلة لبناء قاموس للكون.

الرياضيات حجر رشيد.

والتلسكوب حجر رشيد.

والمجهر حجر رشيد.

والحمض النووي كان حجر رشيد لفهم لغة الحياة.

وقد تكون هناك حولنا الآن علامات أخرى لا نعرف حتى أنها علامات.

نراها كل يوم، كما رأى الناس الهيروغليفية قرونًا، لكننا نفتقد الفكرة التي تربط بينها فتحولها من ظواهر متناثرة إلى معنى.

كم حجر رشيد ينتظرنا؟

وهذا ربما هو الدرس الأعمق الذي أراه في ذلك الحجر الأسود الصامت.

ليس الجهل دائمًا غياب المعلومات.

أحيانًا تكون المعلومات أمامنا كاملة، لكننا نفتقد لغة قراءتها.

والتقدم المعرفي لا يحدث دائمًا بإضافة حقيقة جديدة، بل أحيانًا باكتشاف العلاقة التي تجعل الحقائق القديمة تقول شيئًا لم نسمعه من قبل.

وهكذا يصبح حجر رشيد أكثر من أثر مصري شهير، وأكثر من مفتاح لفك الهيروغليفية.

إنه رمز للحظة إنسانية متكررة:

لحظة يتحول فيها ما نراه إلى ما نفهمه.

ولعل أعظم تواضع يمكن أن يمنحه لنا العلم هو أن ندرك أن عدم فهمنا لشيء لا يعني أنه بلا معنى.

فالكون أمامنا منذ البداية، مثل حجر هائل منقوش بلغة لم نتعلم منها إلا حروفًا قليلة.

قرأنا بعضها بالجاذبية، وبعضها بالنسبية، وبعضها بالجينات، وبعضها بميكانيكا الكم، وما زالت مساحات واسعة من النص غامضة أمامنا.

ولذلك، كلما نظرت إلى حجر رشيد، لا أراه مجرد مفتاح لماضٍ بعيد، بل أراه استعارة للمستقبل.

فكما وقفت البشرية يومًا أمام الهيروغليفية ترى العلامات ولا تسمع أصواتها، ربما نقف اليوم أمام أسرار الوعي والمادة والزمن والكون بالطريقة نفسها.

وحولنا، على الأرجح، أحجار رشيد أخرى كثيرة.

نراها.

نعيش داخلها.

بل قد تكون موجودة في أجسادنا وعقولنا.

لكننا لم نجد شامبليونها بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى