
أكتب هذا المقال الأخير كمن يضع نقطة في نهاية جملة امتدت واحدًا وعشرين عامًا، ثم يكتشف أن النقطة ليست نهاية، بل بابًا إلى جملة أخرى. فسبتمبر لم يكن شهرًا عابرًا في حياتي. كان كتابًا مفتوحًا على السجن والثورة والمنفى. وكان شاهدًا على وطن حاول أن يخرج من جلباب الفرعون، فحاصرته الغرف المغلقة، وأطفأت حوله الأنوار، وتركت له ذاكرته كي تقاوم.
لم تكن معركة السابع من سبتمبر عام ألفين وخمسة مجرد منافسة بين مرشح ورئيس. كانت مواجهة بين احتمالين لمصر. احتمال يفتح الطريق أمام التغيير، واحتمال يغلقه لمصلحة مشروع التوريث. كنت أعرف أنني لا أنافس رئيسًا عاديًا، بل أقترب من منطقة اعتاد أصحابها أن يعاملوا السلطة بوصفها ميراثًا عائليًا، وأن يروا في منافسة الحاكم جريمة لا يغفرها القانون، ولا تنساها الأسرة.
لم يكن مبارك وحده في المشهد. كانت هناك غرفة سياسية سوداء، تتقدمها سوزان مبارك، وعينها على إعداد جمال مبارك للوراثة. كان المطلوب ألا أبقى رقمًا صعبًا في وجه الابن إذا غاب الأب. وقد كتب أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مبارك، في مذكراته ما يفيد بأن اعتقالي استهدف منعي من منافسة جمال مبارك. كانت شهادة خرجت متأخرة من قلب النظام، بعد أن دفعنا نحن ثمن الحقيقة في خارجه.
كانت الطعنة الأخرى أن بعض رموز المعارضة اتهموني بأنني طرف في صفقة مع السلطة. وعندما كشفت الوقائع سذاجة الاتهام، لم يملك كثيرون شجاعة الاعتذار. اختاروا الصمت، ربما انتظارًا لفتات من موائد النظام في الانتخابات التشريعية التالية. وهكذا وجدت نفسي أواجه سلطة تخشى منافستي، ومعارضة يشكك بعضها في كل من يجرؤ على ما عجزت هي عن فعله.
أخرجوا نعمان جمعة إلى الحلبة ليكون وصيفًا صوريًا، وأنفق الملايين على وعد بأن يحل ثانيًا. لكنه خرج ثالثًا، ثم خرج من المعركة ممزقًا. أما طريقي، فكان قد رُسم بين المحاكم والتشويه والسجن.
وُلدت قضية تزوير توكيلات حزب الغد ميتة، لكنها صُممت لتشغلني عن الحملة، وتحاصرني بين جلسات محاكمة في الصباح ومؤتمرات انتخابية في المساء. كانوا يظنون أن القفص سيكسر صورتي، فإذا بالناس يرون داخله مرشحًا يحاكم لأنه تجرأ على منافسة الرئيس. وكانوا يخرجونني من المحكمة فيحملني الناس على أكتافهم، فأنتقل من قفص الاتهام إلى منصات الأمل.
في إحدى الجلسات، وداخل غرفة المداولة، قال لي القاضي عادل عبد السلام جمعة ما معناه:
ارفع عنا الحرج. مكالمة واحدة، وتعهد بسيط، ونغلق الملف.
كان العرض واضحًا.
حريتك مقابل صمتك.
وجاءني المعنى نفسه من محمود وجدي، رئيس مصلحة السجون، حين زارني في زنزانتي. وجاء في رسائل حملت أسماء كمال الشاذلي وصفوت الشريف وفتحي سرور. كانوا يريدونني زعيمًا للمعارضة في الصورة، بشرط ألا أكون حاضرًا في المعادلة الحقيقية. اخترت أن أبقى حرًا في داخلي، ولو كنت أسيرًا خلف الباب. فقد كان أهون عندي أن أخسر مقعدًا من أن أخسر المعنى.
وفي قلب هذه المحاكمة ظهر اسم أيمن إسماعيل الرفاعي. رجل بسيط لا يقرأ ولا يكتب، أرادوا منه أن يقول إنه زوّر توكيلات حزب الغد بخطه، وبأوامر مني. وتحت التهديد، قال ما أرادوه. لكن النيابة استكتبته، فانكشف أنه أمي لا يجيد الكتابة أصلًا.
وقف أيمن إسماعيل أمام المحكمة وقال إنه لم يعرفني يومًا، وإن الضابط عادل ياسين عذبه حتى يوقع على محضر مزيف. ارتبك المشهد، وأُوقفت الجلسة، وأُرسل الرجل إلى سجن الاستئناف على وعد بأن يُستمع إليه لاحقًا. لكنهم لم يستمعوا إليه. في اليوم التالي جاء الخبر بأنه وُجد مشنوقًا في زنزانته.
ووفق ما ورد في الأوراق والشهادات التي عاصرتها، كتب اللواء الطبيب طارق منير أن الوفاة لم تكن شنقًا، بل خنقًا، مستدلًا بالزرقة في الظهر والكسر في غضروف الحنجرة. ثم خرج تقرير آخر، كتبه العقيد الطبيب أيمن خليل، بالصورة التي أرادتها السلطة، بعد اتصال نُسب إلى اللواء عمر الفرماوي. هكذا أُسكت الشاهد الوحيد، وحاولوا أن يدفنوا الحقيقة معه.
لم يكن اعتقالي عقوبة على جريمة، بل محاولة لاعتقال احتمال البديل. تحولت من وصيف لأول انتخابات رئاسية تعددية إلى سجين في طرة، محكوم عليه بخمس سنوات. وفي الزنزانة لم يمت الأمل، بل صار أكثر عنادًا. كنت أكتب بذاكرتي على الجدران، وأقول لنفسي:
حبسوا جسدك، لكن الحلم لا يملك السجان مفتاحه.
بعد واحد وعشرين عامًا، ما زلت أقول إنني لم أهزم مبارك، لكنه لم يهزمني. لم يهزمني لأنني خرجت من السجن حيًا، وبقيت الفكرة حية. ولم أهزمه لأن ظله ظل ممتدًا في بنية السلطة، حتى بعد رحيله. سقط الرجل، لكن النظام الذي صنعه بقي أطول من عمر صاحبه.
ثم جاءت الثورة. في يناير عام ألفين وأحد عشر، عدت إلى ميدان التحرير الذي قلت في حملتي إننا سنعود إليه يومًا لنحتفل بالحرية. وبعد خمس سنوات وبضعة أشهر، رأيت الوعد القديم يتحقق، ورأيت الرئيس الذي بدا عصيًا على السقوط يغادر تحت ضغط شعب استعاد صوته.
لم تكن الثورة ابنة يوم واحد. كانت امتدادًا لمسار بدأ قبل ذلك بسنوات، مع حركة كفاية، وتأسيس حزب الغد، وقرار خوض الانتخابات الرئاسية. كانت جنينًا حملناه طويلًا، وشارك في حمله آلاف المصريين، ثم وُلد في الميدان بعد ست سنوات.
كانت ثورة حقيقية، لكنها لم تكتمل. أسقطت رأس النظام، ولم تسقط بنيته. كسرت حاجز الخوف، لكنها لم تبنِ بعدُ دولة الحرية. فتحت أبواب الأمل، ثم تسللت منها قوى الماضي، ومعها أخطاء الحاضر، حتى عاد الوطن إلى دائرة أكثر قسوة. ومع ذلك، لا أقبل القول إن الثورة كانت وهمًا. فالأحلام قد تُهزم، لكنها لا تصبح أكاذيب لمجرد أن الطريق إليها تعثر.
وفي المنفى تعلمت أن الغربة ليست بلدًا بعيدًا فقط، بل مسافة داخلية بين الإنسان ووطنه. قد يُنفى الجسد، لكن الصوت يستطيع أن يعبر البحار. وقد يُحرم الإنسان من شارع عرف خطواته، ومن بيت يحمل رائحته، ومن وداع أحبة رحلوا، لكنه يظل قريبًا من قضيته إلى حد الوجع. المنفى وطن ناقص، والحنين فيه إقامة لا تنتهي صلاحيتها.
لم أختر هذه الثلاثية. السجن، ثم الثورة، ثم المنفى. لكنها أعادت اختياري وصياغتي. فالإنسان الذي يخرج من السجن، ويمر بالثورة، ويصمد في المنفى، لا يعود الشخص نفسه. يفقد أشياء كثيرة، لكنه يرى الإنسان والوطن والسلطة بعين لا تخدعها الزينة بسهولة.
واحد وعشرون عامًا لم تهزم الحلم. وخمسة عشر عامًا منذ الثورة لم تمحُ المعنى الذي خرج الناس من أجله. قد تتعثر الشعوب، وقد يُسرق منها الطريق، وقد تُهزم في جولة أو جولات، لكنها لا تموت، ولا تنسى إلى الأبد.
كتبت هذه السباعية لأقول إن معركتنا لم تكن مجرد انتخابات، بل كانت ثورة سبقت الثورة. وإن السجن لم يكن نهاية سياسية، بل شهادة ميلاد لفكرة. وإن المنفى لم


















