لوموند : تقارير تكشف أدلة جديدة على استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب

كشفت وثائق ومراسلات وتسجيلات سرية عن أدلة إضافية تشير إلى تطوير الجيش السوداني قنابل تحتوي على غاز الكلور واستخدامها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب، في عمليات يُعتقد أنها استمرت لنحو ستة أشهر بين يوليو 2024 ويناير 2025، وسط نفي سابق من القوات المسلحة السودانية لاستخدام أسلحة كيميائية.
وتستند المعلومات الجديدة إلى ملف يضم مذكرات داخلية ومقاطع فيديو وصورًا واعتراضات لمكالمات واتصالات هاتفية، بينها رسائل ومكالمات مرتبطة بقيادات رفيعة في القوات المسلحة السودانية، في مقدمتها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
وبحسب ما ورد في التحقيقات المنشورة، فإن الملف السري نُقل عبر جهاز استخبارات تابع لدولة في الشرق الأوسط، فيما أفادت معلومات بأن الوثائق مصدرها أجهزة استخبارات إسرائيلية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه الحرب السودانية منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، مخلفة أزمة إنسانية واسعة، فيما تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى مقتل أكثر من 200 ألف شخص ونزوح نحو 14 مليونًا.
الكلور يدخل ساحة المعركة
تشير الوثائق إلى أن قرار اللجوء إلى استخدام الكلور عسكريًا اتُخذ في يوليو 2024، في مرحلة كانت فيها قوات الدعم السريع تحقق تقدمًا ميدانيًا، بينما فقد الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وعدد من مواقعه في وسط البلاد.
ووفق المعلومات المنشورة، جرى تطوير وسائل لاستخدام غاز الكلور ضد مواقع تابعة لقوات الدعم السريع في محاولة لاستعادة زمام المبادرة ميدانيًا.
ويمثل الاستخدام العسكري للكلور كسلاح كيميائي انتهاكًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1997، وانضم إليها السودان في 1999.
وتشير التحقيقات إلى تنفيذ عمليات إسقاط جوي في 5 و13 سبتمبر 2024، استُخدمت خلالها حاويات يُعتقد أنها احتوت على غاز الكلور فوق مصفاة الجيلي، أكبر مصافي النفط في السودان، شمال الخرطوم.
وكانت المصفاة في ذلك الوقت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فيما كان الجيش يسعى إلى استعادتها دون التسبب في تدمير المنشأة.
ولم تُسجل، وفق المعلومات المتاحة، وفيات مؤكدة نتيجة الهجمات المزعومة، فيما سبق للقوات المسلحة السودانية أن نفت استخدام أسلحة كيميائية.
عقوبات أمريكية بسبب الأسلحة الكيميائية
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في مايو 2025 أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك عقوبات مرتبطة بهذه الاتهامات.
ولم تكشف واشنطن في ذلك الوقت بصورة علنية عن الأدلة التفصيلية التي استندت إليها، إلا أن التحقيقات الجديدة تشير إلى أن السلطات الأمريكية كانت قد اطلعت على الوثائق والمعلومات نفسها التي ظهرت لاحقًا في التحقيقات الصحفية.
وتكشف الوثائق عن دور منسوب إلى العميد طارق حسين في تطوير برنامج لاستخدام الكلور عسكريًا.
وبحسب رسائل ومكالمات هاتفية جرى اعتراضها، شارك حسين منذ يوليو 2024 رسومات أولية لنموذج قنبلة تحمل نحو 15 كيلوجرامًا من غاز الكلور داخل رأس متفجر.
ويُستخدم الكلور بصورة واسعة في معالجة المياه ومكافحة الأمراض والأوبئة، وتشير الوثائق إلى أن أسطوانات أو حاويات للغاز جرى الحصول عليها من محطة لمعالجة المياه قرب الخرطوم.
اختبار في الصحراء
وفي 22 يوليو 2024، أقلعت طائرة شحن من طراز “أنتونوف” من قاعدة عسكرية شمال السودان لإجراء اختبار للقنابل في منطقة صحراوية.
وبحسب إحدى الرسائل المنسوبة إلى المسؤول العسكري عن المشروع، اعتُبر الاختبار ناجحًا بشكل كامل، بعد سقوط القنبلة على الهدف وانبعاث الغاز منها.
وتشير المراسلات إلى مطالبة أحد كبار مسؤولي الجيش، الجنرال أمير إدريس، بالحفاظ على “السرية المطلقة” بشأن العملية.
وبعد فترة قصيرة، تشير الوثائق إلى انتقال استخدام الكلور من مرحلة التجارب إلى العمليات الميدانية.
لكن ما أُلقي على مواقع قوات الدعم السريع لم يكن، بحسب التحقيقات، القنابل المطورة نفسها، وإنما أسطوانات غاز جرى إسقاطها مباشرة من الجو.
وبعد الهجوم على مصفاة الجيلي مطلع سبتمبر 2024، تضمنت رسالة نصية منسوبة إلى العميد طارق حسين حديثًا عن تعرض مقاتلي الدعم السريع للغاز.
كما تشير الوثائق إلى عملية إسقاط أخرى محتملة في 17 أكتوبر 2024، إلا أنه لم تتوافر صور تؤكد وقوعها، كما لم تعلن قوات الدعم السريع تفاصيل بشأنها.
وتفيد المعلومات بأن البرنامج الكيميائي توقف أو جرى التخلي عنه في مطلع عام 2025، بالتزامن مع بدء الضغوط والعقوبات الأمريكية المتعلقة باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية.
توقيت الكشف يثير تساؤلات
ويثير توقيت الكشف عن الوثائق، بعد نحو عامين من الوقائع المنسوبة إلى الجيش السوداني، تساؤلات سياسية، خصوصًا مع اقتراب مناقشات دولية بشأن توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على السودان.
ومن المقرر أن يبحث مجلس الأمن الدولي قبل 12 سبتمبر مسألة تمديد أو توسيع حظر الأسلحة، الذي يقتصر حاليًا على إقليم دارفور.
وكان المبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا مسعد بولس قد اقترح في 24 أغسطس توسيع الحظر ليشمل السودان بأكمله، بهدف وقف الدعم المالي والعسكري الخارجي المقدم إلى أطراف الحرب، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها.
وأشار بولس إلى تدخل نحو 12 دولة، بصورة أو بأخرى، في النزاع السوداني، بينما رفضت السلطات السودانية مقترح توسيع الحظر، وسط مخاوف من تأثيره على إمدادات الجيش من الأسلحة.
البعد الإسرائيلي
وتسلط المعلومات الجديدة الضوء كذلك على البعد الإقليمي للحرب السودانية، بعدما أشارت التحقيقات إلى أن الوثائق المتعلقة بالبرنامج الكيميائي ربما جاءت من أجهزة استخبارات إسرائيلية.
ولم تتخذ إسرائيل رسميًا موقفًا معلنًا مؤيدًا لأي من طرفي الحرب، إلا أن تقارير تحدثت عن اتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وقيادات في قوات الدعم السريع.
وتشير المعلومات إلى أن القوني دقلو وعبد الرحيم دقلو، شقيقي قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” ونائبيه، عقدا لقاءات مع مسؤولين في أجهزة استخبارات إسرائيلية في تل أبيب منذ مايو 2025.
ويأتي ذلك في ظل شبكة معقدة من العلاقات والمصالح الإقليمية المحيطة بالحرب السودانية، إذ تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، بينما ترتبط القوات المسلحة السودانية بعلاقات ودعم متفاوت مع دول إقليمية من بينها تركيا.
وتضيف الوثائق الجديدة بعدًا بالغ الحساسية إلى الحرب المستمرة في السودان، إذ إن ثبوت الاستخدام العسكري المتعمد للكلور من خلال تحقيق دولي مستقل قد يفتح الباب أمام تداعيات قانونية ودبلوماسية إضافية، في وقت لم تُحسم فيه بصورة قضائية أو دولية مستقلة المسؤولية عن الوقائع الواردة في الوثائق المسربة.





