الفوسفور الأبيض: سلاح محرم ينتهك الإنسانية ويستصرخ ضمير الأمم المتحدة

تسببت العمليات العسكرية الأخيرة التي شهدتها الأراضي اللبنانية عبر إطلاق ذخائر الفوسفور الأبيض في فتح باب النقاش الواسع حول المخاطر الجسيمة والآثار اللاإنسانية المترتبة على توظيف هذه المواد المتفجرة الحارقة بين التجمعات المدنية المأهولة. رصدت التقارير الواردة من الجهات الحقوقية الدولية نحو ثلاثة وعشرين حادثاً موثقاً لاستخدام تلك الأسلحة الخطيرة خلال الفترة الممتدة بين شهري مارس ومايو لعام ألفين وستة وعشرين، مما ألقى بظلال قاتمة على الأوضاع الإنسانية والبيئية والاقتصادية والنفسية للمتضررين الذين يعانون من إصابات بالغة تمتد طوال حياتهم وتترك ندوباً لا تُمحى في الذاكرة والأبدان.
سلاح الفوسفور الأبيض: متى تشرّع الأمم المتحدة قوانين رادعة لانتهاكاته؟
أظهرت المتابعات الميدانية والتحليلات القانونية المكثفة الصادرة عن المنظمات المعنية بحماية حقوق الإنسان والكلاب القانونية الأكاديمية أن القوة التدميرية الكامنة خلف تفاعل الفوسفور الأبيض مع غاز الأكسجين فور انطلاقها في الأجواء تخلق ألسنة لهب حارقة تخترق الأجساد وصولاً إلى العظام. تجدد تلك الجزيئات المتبقية داخل الأنسجة المصابة اشتعالها فور تعرضها لتدفق الأكسجين عند محاولة الأطقم الطبية نزع الضمادات العلاجية، الأمر الذي يضاعف آلام الضحايا ويزيد من تعقيد التدخلات الطبية والجراحية اللازمة لإنقاذ حياتهم وسط عجز منظومة المعاهدات الدولية القائمة عن فرض حظر صارم ومحدد ينظم تداولها واستخدامها الميداني.
كشفت الدراسات المتخصصة عن ثغرات واضحة في نصوص اتفاقيات الأسلحة التقليدية وبروتوكولها الثالث لعام ألف وتسعة وثمانين، حيث تقتصر تعريفات الأسلحة الحارقة على تلك المصممة أساساً لإحداث الحرائق وإلحاق الضرر بالأشخاص، متجاهلة الأنظمة العسكرية التي تتذرع بتوظيف الفوسفور الأبيض لأغراض التمويه الحركي والإضاءة الليلية على الرغم من تماثل آثارها التدميرية القاتلة على الأرض. استندت الجهات الحقوقية في تقييماتها إلى ما يُعرف بشرط مارتنز المستمد من مبادئ القانون الدولي الإنساني، والذي يضمن استمرار حماية المدنيين والمقاتلين بمقتضيات الضمير الإنساني والوجدان العام في حال غياب المعاهدات المباشرة، مؤكدة أن فظاعة الإصابات تتعارض جذرياً مع أبسط قواعد الإنسانية.
دعت المؤسسات الحقوقية الدولية قادة الدول والمجتمع الدبلوماسي إلى توحيد الجهود وإثارة هذه القضية الملحة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المزمع عقدها في مدينة نيويورك خلال شهر أكتوبر لعام ألفين وستة وثمانين، إضافة إلى الدفع نحو إدراج الملف في مؤتمر المراجعة الخماسي لاتفاقية الأسلحة التقليدية المقررة فعالياته بين السادس عشر والعشرين من شهر نوفمبر لعام ألفين وستة وثمانين في جنيف. طالبت الوفود المشاركة بضرورة تجاوز العراقيل التي تفرضها بعض الأطراف المعترضة داخل مسارات الإجماع التقليدية، والعمل الجاد نحو صياغة معاهدة دولية قوية وحاسمة تحقق الحظر الشامل لإنتاج ونقل واستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض دفاعاً عن الكرامة الإنسانية.





