تحقيق يكشف أدلة على احتمال استخدام أسلحة كيميائية في السودان والحكومة تنفي

كشف تحقيق جديد عن أدلة وصفها خبراء بأنها «ذات مصداقية ومتسقة» تشير إلى احتمال استخدام مواد كيميائية سامة خلال الحرب في السودان، مستندًا إلى شهادات شهود ومواد مصورة ورقمية وحوادث وقعت خلال عامي 2024 و2025، فيما نفت الحكومة السودانية مرارًا ارتكاب أي مخالفات من هذا النوع.
وأعد التحقيق فريق يقوده مسؤولون كبار سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينهم اثنان كانا يعملان في المنظمة عندما حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2013، وخلص إلى وجود مؤشرات تستدعي إجراء تحقيق دولي إضافي.
وجاءت النتائج في تقرير من 32 صفحة يتناول الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيميائية في مناطق مدنية بالسودان خلال الحرب التي اندلعت عام 2023.
واستند الخبراء إلى مؤشرات تضمنت حالات ضيق تنفس حاد وتهيج العينين، وروائح غير مألوفة، وانبعاثات أو انفجارات ملونة، إلى جانب مشكلات صحية طويلة الأمد وأضرار بيئية ظهرت عقب عمليات عسكرية.
ورأى فريق التحقيق أن هذه المؤشرات تدعم شهادات أشخاص قالوا إنهم تعرضوا لمواد كيميائية سامة مرتبطة بعمليات عسكرية خلال عامي 2024 و2025.
وشدد الخبراء، في الوقت نفسه، على أنهم لم يتمكنوا من التأكيد بصورة قاطعة أن الحوادث التي درسوها ناجمة بالفعل عن استخدام أسلحة كيميائية، بسبب وجود ثغرات في الأدلة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقيق.
شهادات 8 سودانيين
اعتمد التحقيق على شهادات 8 سودانيين جرت مقابلتهم في العاصمة الكينية نيروبي، ودُعمت إفاداتهم بصور ومقاطع فيديو ومواد رقمية أخرى قدمها أشخاص يُعتقد أنهم تعرضوا للحوادث محل البحث.
وضمت مجموعة الشهود أشخاصًا قالوا إنهم تعرضوا مباشرة للحوادث، وآخرين شاركوا في عمليات الاستجابة للطوارئ، إضافة إلى عامل في القطاع الصحي عالج مصابين وأشخاص قدموا وثائق ومواد رقمية داعمة.
ولم يتمكن معدو المادة الصحفية التي عرضت التحقيق من مقابلة الشهود بصورة مباشرة، كما لم يتمكنوا من فحص تسجيلاتهم المصورة أو بقية الأدلة الرقمية بأنفسهم.
حادثة مصفاة الجيلي
ووفقًا للتحقيق، جاءت أقوى الأدلة من شاهدين جرت مقابلتهما بصورة منفصلة بشأن حادث وقع في مصفاة الجيلي للنفط قرب الخرطوم في سبتمبر 2024، وكانت المنطقة آنذاك تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وقال الشاهدان إن طائرة عسكرية حلقت فوق المنطقة مباشرة قبل وقوع الحادث، وتحدثا عن أجسام تشبه البراميل مرتبطة بمرور الطائرة، إلى جانب تأثيرات قالا إنها لم تكن مماثلة للقصف التقليدي، وانبعاثات غير معتادة وروائح غريبة في الهواء.
وبحسب شهادتيهما، أصيب نحو 20 عاملًا بأعراض تنفسية حادة، وتلقوا العلاج في العيادة الطبية التابعة للمصفاة، كما لوحظت لاحقًا تغيرات في النباتات القريبة من موقع الحادث.
وخلص الخبراء إلى أن الأعراض الحادة التي أصابت الجهاز التنفسي والعينين تتوافق مع التعرض لمادة مهيجة محمولة جوًا أو مادة كيميائية خطرة، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحديد نوع المادة المستخدمة على وجه الدقة.
أنماط متشابهة في مواقع أخرى
وتضمن التحقيق شهادات بشأن حوادث أخرى في مناطق مختلفة أظهرت أنماطًا متشابهة، إذ تحدث شهود عن هجمات جوية أعقبها ظهور سريع لأعراض تنفسية لدى أشخاص بالقرب من المواقع المستهدفة.
وشملت الأعراض السعال وصعوبة التنفس وتهيج العينين، وفي بعض الحالات مشكلات مرتبطة بالجهاز الهضمي أو الجلد.
كما تحدث شهود عن روائح غير معتادة وانبعاثات ملونة في الهواء، إلى جانب غياب بعض الآثار الانفجارية التي تصاحب عادة عمليات القصف الجوي التقليدي.
وأشار التحقيق إلى أن وجود عقوبات فرضتها دولة عضو على أفراد على خلفية الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية، إلى جانب تزايد الادعاءات بشأن وجود برنامج سري وشهادات بشأن حادث سبتمبر 2024، عوامل يرى الخبراء أنها تستوجب تحرك منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف.
وسبق أن ظهرت خلال الفترة الماضية تقارير وادعاءات أخرى بشأن احتمال استخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية، تضمنت معلومات استخباراتية وصورًا لمخزونات ومراسلات بين مسؤولين سودانيين.
كما فرضت الحكومة الأميركية في أبريل 2025 عقوبات على السودان على خلفية اتهامات مرتبطة باستخدام أسلحة كيميائية.
وفي المقابل، نفت الحكومة السودانية مرارًا ارتكاب مخالفات من هذا النوع.
ودعا الخبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى دراسة الأدلة وإجراء تحقيق إضافي يستند إلى النتائج الأولية، مؤكدين أن المعطيات المتاحة لا تكفي حتى الآن للوصول إلى استنتاج قاطع بشأن استخدام أسلحة كيميائية.
ويأتي التحقيق في ظل استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في السودان، حيث تشير بيانات أممية أوردها التقرير إلى نزوح نحو 14 مليون شخص منذ اندلاع النزاع عام 2023، بينما يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي وظروف المجاعة.




