
إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَا يُعَلِّمُنَا فَقَطْ مَتَى نَتَحَرَّكُ وَمَاذَا نَفْعَلُ، بَلْ يُعَلِّمُنَا أَيْضًا مَتَى نَقِفُ، وَمَاذَا نَتْرُكُ، وَمَنْ نَتَّبِعُ، وَكَيْفَ نَسِيرُ، وَلِمَنْ يَكُونُ الْمَسِيرُ.
وَحِينَ نَتَدَبَّرُ سُورَةَ الْكَهْفِ، نَجِدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُورَةً تُقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْهَجٌ مُتَكَامِلٌ لِتَرْبِيَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ.
فَقَدْ عَرَضَتِ السُّورَةُ نَمَاذِجَ مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْفِتَنِ:
فِتْنَةَ الدِّينِ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَفِتْنَةَ الْمَالِ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، وَفِتْنَةَ الْعِلْمِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَفِتْنَةَ السُّلْطَانِ وَالتَّمْكِينِ فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يَسْتَوْقِفُ الْمُتَدَبِّرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كَثْرَةُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ الَّتِي تَبْدَأُ بِـ «لَا».
وَلِذَلِكَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقِفَ مَعَ عَشْرِ لَاءَاتٍ تَرْبَوِيَّةٍ، نَسْتَخْرِجُ مِنْهَا مَنْهَجًا لِبِنَاءِ شَخْصِيَّةِ الْمُؤْمِنِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ، وَكَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْدَاثِ وَالْأَفْكَارِ.
وَلَا أَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ اللَّاءَاتِ جَاءَتْ فِي السُّورَةِ مُرَتَّبَةً عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَلَكِنَّهَا وَقَفَاتٌ تَدَبُّرِيَّةٌ مَعَ مَوَاضِعِ النَّهْيِ فِي السُّورَةِ، نَسْتَنْبِطُ مِنْهَا مَعَانِيَ تَرْبَوِيَّةً تُعِينُنَا عَلَى الثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ.
اللَّاءُ الْأُولَى: لَا تَجْعَلِ الْجِدَالَ أُسْلُوبَ حَيَاتِكَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22].
أَيْ: لَا تَدْخُلْ فِي جِدَالٍ عَقِيمٍ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وَلَا تَجْعَلْ كُلَّ قَضِيَّةٍ مَعْرَكَةً تَسْتَنْزِفُ وَقْتَكَ وَقَلْبَكَ.
فَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ يَسْتَحِقُّ جِدَالًا، وَلَيْسَ كُلُّ تَفْصِيلٍ يَسْتَحِقُّ مِنْكَ أَنْ تَسْتَنْزِفَ فِيهِ وَقْتَكَ وَجُهْدَكَ.
خُذْ مِنَ الْأَمْرِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ، وَدَعْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ.
وَهَذَا دَرْسٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ فِي زَمَنِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ.
فَلَيْسَ كُلُّ مَنْشُورٍ يَحْتَاجُ إِلَى رَدٍّ، وَلَيْسَ كُلُّ تَعْلِيقٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرَكَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مُخَالِفٍ يَحْتَاجُ إِلَى إِسْقَاطٍ.
الْمُؤْمِنُ لَا يَبْحَثُ عَنِ الِانْتِصَارِ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنِ الِانْتِصَارِ لِلْحَقِّ. وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ لَنْ يَزِيدَ الْحَقَّ وُضُوحًا، وَلَنْ يُزِيلَ الْبَاطِلَ، وَلَنْ يَهْدِيَ الْمُخَالِفَ، فَقَدْ يَكُونُ الصَّمْتُ أَحْيَانًا أَبْلَغَ مِنَ الْكَلَامِ.
اللَّاءُ الثَّانِيَةُ: لَا تَأْخُذِ الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22]. فَمَصْدَرُ الْمَعْرِفَةِ جُزْءٌ مِنْ سَلَامَةِ الْمَعْرِفَةِ.
فَلَا تَجْعَلْ عَقْلَكَ وَقَلْبَكَ مَفْتُوحَيْنِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا تَجْعَلْ أُذُنَكَ مُسْتَوْدَعًا لِكُلِّ مَا يُقَالُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي سِيَاقٍ خَاصٍّ، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنًى تَرْبَوِيًّا عَظِيمًا: لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ يُؤْخَذُ عَنْهُ الدِّينُ.
وَلَا كُلُّ مَنْ امْتَلَكَ مَنْصَّةً امْتَلَكَ عِلْمًا، وَلَا كُلُّ مَنْ جَمَعَ آلَافَ الْمُتَابِعِينَ أَصْبَحَ مَرْجِعًا، وَلَا كُلُّ مَنْ أَحْسَنَ الْحَدِيثَ أَحْسَنَ الْفَهْمَ.
وَهُنَا نَحْتَاجُ إِلَى قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ:
لَا تَجْعَلْ أُذُنَكَ مُسْتَوْدَعًا لِكُلِّ مَا يُقَالُ، وَلَا تَجْعَلْ عَقْلَكَ مَيْدَانًا لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وَلَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ تَابِعًا لِكُلِّ صَوْتٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِيَ دِينَهُ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ، فَلْيَعْرِفْ مِمَّنْ يَأْخُذُ، وَمَاذَا يَأْخُذُ، وَلِمَاذَا يَأْخُذُ.
اللَّاءُ الثَّالِثَةُ: لَا تَتَعَامَلْ مَعَ الْغَدِ وكَأَنَّك تمِلْكُه
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24].
خَطِّطْ، وَاعْزِمْ، وَاعْمَلْ، وَاسْعَ، وَلَكِنْ تَذَكَّرْ دَائِمًا: أَنْتَ تَمْلِكُ الْعَزْمَ، وَلَا تَمْلِكُ الْغَدَ.
أَنْتَ تَمْلِكُ الْإِرَادَةَ وَالْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ بِيَدِ اللَّهِ.
وَهَذِهِ لَيْسَتْ دَعْوَةً إِلَى تَرْكِ التَّخْطِيطِ؛ فَالْمُؤْمِنُ يُخَطِّطُ، وَيَعْمَلُ، وَيَسْعَى، وَيَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ. وَلَكِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ فَوْقَ الْأَسْبَابِ مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ. يَقُولُ: سَأَفْعَلُ، وَيَقُولُ مَعَهَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَاللَّاءُ الثَّالِثَةُ تُعَلِّمُنَا التَّوَاضُعَ أَمَامَ قَدَرِ اللَّهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.
اللَّاءُ الرَّابِعَةُ”ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا”
“لَا تَسْتَبْدِلْ أَهْلَ الْخَيْرِ بِبَرِيقِ الدُّنْيَا”. لَا تَجْعَلِ الْمَالَ وَالْجَاهَ وَالشُّهْرَةَ تُعِيدُ تَرْتِيبَ النَّاسِ فِي عَيْنَيْكَ.فَقَدْ يَكُونُ مَنْ لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فِي الْأَرْضِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ.
قَدْ تَرَى صَاحِبَ الْمَالِ فَتَظُنُّهُ سَعِيدًا، وَقَدْ تَرَى صَاحِبَ الشُّهْرَةِ فَتَظُنُّهُ نَاجِحًا، وَقَدْ تَرَى صَاحِبَ الْمَنْصِبِ فَتَظُنُّهُ قَوِيًّا، لَكِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تُعِيدَ تَعْرِيفَ النَّجَاحِ. لَيْسَ كُلُّ غَنِيٍّ نَاجِحًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَشْهُورٍ نَاجِحًا، وَلَيْسَ كُلُّ صَاحِبِ سُلْطَانٍ نَاجِحًا.
النَّجَاحُ الْحَقِيقِيُّ أَنْ تَكُونَ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ.
اللَّاءُ الْخَامِسَةُ: لَا تُعْطِ الْغَافِلَ مِقْوَدَ حَيَاتِكَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
فَالْقُرْآنُ لَا يُحَذِّرُكَ مِنَ الْغَفْلَةِ فَقَطْ، بَلْ يُحَذِّرُكَ مِنْ أَنْ تَجْعَلَ الْغَافِلَ قَائِدًا لَكَ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُودُ قَرَارَكَ قَدْ يَقُودُ مَصِيرَكَ.
لذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع أهل الايمان فَالشَّخْصِيَّةُ الْمُؤْمِنَةُ لَا تُبْنَى مُنْفَرِدَةً فَقَطْ، وَإِنَّمَا تُبْنَى أَيْضًا مِنْ خِلَالِ الصُّحْبَةِ وَالْبِيئَةِ وَالْمُجْتَمَعِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ: مَنْ الَّذِينَ أَسْتَمِعُ إِلَيْهِمْ؟
مَنْ الَّذِينَ أُتَابِعُهُمْ؟
مَنْ الَّذِينَ أَسْتَشِيرُهُمْ؟
مَنْ الَّذِينَ أَسْمَحُ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى عَقْلِي وَقَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟
فَالصُّحْبَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِلَاقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ؛ إِنَّهَا مَشْرُوعٌ لِصِنَاعَةِ الشَّخْصِيَّةِ.
اللاء السادسة: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]. لَا تَسْتَعْجِلِ الْحُكْمَ قَبْلَ اكْتِمَالِ الْمَشْهَدِ. كَمْ نَحْكُمُ مِنْ أَوَّلِ صُورَةٍ، أَوْ مِنْ خَبَرٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ مَوْقِفٍ عَابِرٍ!
فَلَا تَسْتَعْجِلِ الْحُكْمَ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ، وَلَا تَجْعَلِ الْفُضُولَ قَائِدًا لَكَ.
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ آدَابِ التَّعَلُّمِ: الصَّبْرَ عَلَى الْعِلْمِ، وَاحْتِرَامَ مَنْهَجِ الْمَعْرِفَةِ، وَعَدَمَ الِاسْتِعْجَالِ فِي الْحُكْمِ.
اللَّاءُ السَّابِعَةُ: لَا تُؤَاخِذِ النَّاسَ بِكُلِّ زَلَّةٍ
قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: 73].
الْإِنْسَانُ يَنْسَى، وَيَخْطَئُ، وَيَضْعُفُ. فَلَا تَجْعَلْ كُلَّ زَلَّةٍ مَحَاكَمَةً، وَلَا كُلَّ تَقْصِيرٍ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ. وَهُنَا دَرْسٌ عَظِيمٌ فِي أَدَبِ الِاعْتِذَارِ وَالتَّوَاضُعِ أَمَامَ الْحَقِّ. فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنْ تُخْطِئَ؛ فَالْإِنْسَانُ خَطَّاءٌ.
وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنْ تُخْطِئَ ثُمَّ تُكَابِرَ. الْمُؤْمِنُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ رَجَعَ. فَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ لَيْسَ هَزِيمَةً، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ.
اللَّاءُ الثَّامِنَةُ: لَا تُرْهِقْ مَنْ حَوْلَكَ
قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
﴿ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73].
لَيْسَتْ طَاقَاتُ النَّاسِ وَاحِدَةً، وَلَيْسَتْ قُدُرَاتُهُمْ مُتَسَاوِيَةً.
فَلَا تَجْعَلْ تَوَقُّعَاتِكَ الْعَالِيَةَ عِبْئًا عَلَى أَهْلِكَ، وَأَصْحَابِكَ، وَمَنْ تَعْمَلُ مَعَهُمْ.
وَكُنْ رَفِيقًا بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّ الرِّفْقَ مَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ.
اللَّاءُ التَّاسِعَةُ: اعْرِفْ مَتَى تَنْتَهِي الصُّحْبَةُ
قَالَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78].
وَقَبْلَهَا قَالَ: فلا تصاحبنى
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76].
فَلَا تَتَعَجَّلِ الْفِرَاقَ، وَلَكِنْ إِذَا اسْتُنْفِدَتِ الْفُرَصُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ، فَلَا تَجْعَلْ اسْتِمْرَارَ الْعَلَاقَةِ غَايَةً فِي ذَاتِهَا.
فَلِكُلِّ صُحْبَةٍ أَدَبٌ، وَلِكُلِّ طَرِيقٍ نِهَايَةٌ، وَالْمُؤْمِنُ يَعْرِفُ مَتَى يَصْبِرُ، وَمَتَى يَعْتَذِرُ، وَمَتَى يَفْتَرِقُ بِإِحْسَانٍ.
وَتَأْتِي اللَّاءُ الْعَاشِرَةُ فِي خِتَامِ السُّورَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].
اللَّاءُ الْعَاشِرَةُ: لَا تُشْرِكْ فِي عِبَادَتِكَ أَحَدًا
هُنَا تَنْتَقِلُ السُّورَةُ مِنْ عِلَاقَتِكَ بِالنَّاسِ إِلَى عِلَاقَتِكَ بِاللَّهِ.
فَقَدْ تَضْبِطُ جِدَالَكَ، وَعِلْمَكَ، وَخُطَطَكَ، وَصُحْبَتَكَ، وَسُؤَالَكَ، وَحُكْمَكَ، وَتَعَامُلَكَ مَعَ النَّاسِ…
وَلَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ الْأَعْظَمُ:
لِمَنْ تَعْمَلُ؟، قَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ صَالِحًا، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ يَطْلُبُ بِهِ مَدْحَ النَّاسِ، أَوْ مَكَانَةً، أَوْ سُمْعَةً.
لِذَلِكَ خَتَمَتِ السُّورَةُ بِتَصْحِيحِ الْوِجْهَةِ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.وَكَأَنَّ السُّورَةَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: إِذَا أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنَ الْفِتَنِ، فَصَحِّحْ عِلَاقَتَكَ بِاللَّهِ، وَصَحِّحْ عَمَلَكَ، وَصَحِّحْ نِيَّتَكَ.
فَلَيْسَ الْمُهِمُّ أَنْ يَرَاكَ النَّاسُ، وَإِنَّمَا الْمُهِمُّ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ عَلَى مَا يُحِبُّ.
الخلاصة؛ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَلْخِّصَ هَذِهِ اللَّاءَاتِ فِي مَنْهَجٍ تَرْبَوِيٍّ لِحَيَاتِنَا، فَنَقُولُ:
لَا تُمَارِ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ.
لَا تَأْخُذْ عِلْمَكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ.
لَا تَنْسَ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَأَنْتَ تُخَطِّطُ لِلْغَدِ.
لَا تَسْتَبْدِلْ أَهْلَ الْخَيْرِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا.
لَا تُطِعْ أَهْلَ الْغَفْلَةِ.
لَا تَسْتَعْجِلِ الْحُكْمَ قَبْلَ اكْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ.
لَا تُؤَاخِذِ النَّاسَ بِكُلِّ زَلَّةٍ.
لَا تُرْهِقْ مَنْ حَوْلَكَ.
وَاعْرِفْ مَتَى تَنْتَهِي الصُّحْبَةُ.
وَلَا تُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ أَحَدًا.
وَهَكَذَا نَرَى أَنَّ اللَّاءَاتِ التِّسْعَ تَعْلَمُنَا كَيْفَ نَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ، أَمَّا اللَّاءُ الْعَاشِرَةُ فَتَسْأَلُنَا: لِمَنْ نَسِيرُ؟، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كُلَّ أُسْبُوعٍ، لَا لِنَنْتَهِيَ مِنْ سُورَةٍ اعْتَدْنَا قِرَاءَتَهَا فَقَطْ، بَلْ لِنُرَاجِعَ بِهَا أُسْبُوعًا مَضَى، وَنَسْتَعِدَّ لِأُسْبُوعٍ قَادِمٍ.
فَالْغَايَةُ لَيْسَتْ أَنْ تَقْرَأَ الْكَهْفَ كُلَّ أُسْبُوعٍ فَقَطْ، بَلْ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْكَهْفِ كُلَّ أُسْبُوعٍ أَبْصَرَ بِالطَّرِيقِ، وَأَثْبَتَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَخْلَصَ لِلَّهِ فِي الْمَسِيرِ.







