
هل يبحث نتنياهو وترامب عن مغامرة تنقذهما من الفشل؟
حين تضيق مساحة الإنجاز السياسي، تصبح المغامرة العسكرية أحد أسهل أبواب الهروب، وفي لحظة تبدو فيها حسابات نتنياهو وترامب محكومة بأزمات متراكمة وحاجة ملحّة إلى انتصار كبير، تبرز إيران بوصفها الهدف الذي قد تتقاطع عنده الرغبة في تغيير قواعد المنطقة مع الحاجة إلى تغيير مسار سياسي مأزوم، فهل نحن أمام تهديدات متبادلة وضغط سياسي، أم أمام تمهيد لمغامرة أكبر قد يكون هدفها إنقاذ الغارقين قبل أن يصلوا إلى صناديق الاقتراع؟ عبر تقديم نفسيهما كرافعي لراية الأهداف الكبرى لا كفاشلين.
ليس لدى التحالف الأميركي – الصهيوني، في هذه المرحلة، هدف استراتيجي أكثر أهمية من إضعاف إيران وإنهاء الدور الذي تمثله الثورة الإسلامية في طهران على مستوى المنطقة، فإيران ليست بالنسبة إلى إسرائيل مجرد خصم آخر، وإنما مركز ثقل سياسي وعسكري ترى فيه واشنطن وتل أبيب مصدرًا رئيسيًا لاستمرار منظومة المقاومة الإقليمية.
ومن هنا ينبغي التوقف طويلًا أمام التصريحات المتكررة لبنيامين نتنياهو حول سقوط النظام الإيراني، وقوله إنه سيعمل على تحقيق ذلك، بل إنه قال إنه أعطى أوامره للأجهزة الأمنية للقيام بذلك، فليس من الحكمة التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد دعاية انتخابية أو كلامًا عابرًا، لا ينبغي التوقف عنده.
نتنياهو في حاجة إلى إنجاز كبير.
بعد سنوات من الحرب والمواجهة، لم تستطع إسرائيل تحقيق كل أهدافها المعلنة، كما أن استمرار قوى المقاومة في المنطقة أظهر حدود التفوق العسكري الإسرائيلي عندما لا يتحول إلى نتيجة سياسية حاسمة، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يصبح نتنياهو أمام مشكلة أكبر من مجرد الدفاع عن سجله، إنه يحتاج إلى إنجاز يعيد صياغة صورة المرحلة كلها لشخصه وعصابته وكامل دولة الاحتلال.
ولهذا فإن تكراره الحديث عن إسقاط النظام الإيراني يكتسب أهمية خاصة، فحين يكرر سياسي بحجم نتنياهو وعدًا بهذا الحجم على أبواب الانتخابات، فإنه لا يستطيع بسهولة الوصول إلى يوم الاقتراع دون أن يحاول تقديم شيء على الأرض، وإلا تحول الوعد من أداة انتخابية إلى دليل جديد على الفشل.
وهنا يصبح السؤال: لماذا إيران؟
لم تعد ساحات المنطقة الأخرى تمنح نتنياهو المساحة نفسها للمناورة، لبنان ساحة شديدة التعقيد، واليمن والعراق يمتلكان ديناميكيات محلية لا يمكن التحكم بها بسهولة، أما غزة فقد أثبتت التجربة أن العودة إلى حرب واسعة لا تعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها إسرائيل، كما ينسحب ذلك على الضفة الغربية، فلا زال العالم يحبس أنفاسه من جريمة المقتلة الأبشع في التاريخ على غزة، ولا تملك دولة الاحتلال مزيدًا من القدرة على تحمل العزلة والنبذ التي أوصلتها إليه تلك المقتلة.
إيران، في المقابل، تمثل الهدف الذي يمكن أن يجمع الحسابات الإسرائيلية والأميركية في نقطة واحدة، فضربها أو إضعاف قدراتها أو زعزعة استقرارها يمكن تقديمه باعتباره ضربة لمركز المنظومة التي تواجهها إسرائيل في المنطقة، وهنا تلتقي حاجة نتنياهو مع حاجة ترامب.
كلاهما يستطيع ويرغب تقديم مواجهة كبرى مع إيران باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا يعيد رسم قواعد اللعبة، لكن مصالحهما ليست متطابقة تمامًا، فنتنياهو، الغارق في أزماته السياسية، قد يرى في التصعيد فرصة لاستعادة المبادرة، بينما يستطيع ترامب أن يراهن على نتيجة مزدوجة: إذا تحقق النجاح لنتنياهو وعصابته، ينسبه إلى قيادته، وإذا وقع الفشل، يمكنه تحميل نتنياهو مسؤولية القرار والتنفيذ وتبعات الفشل.
وهذه تحديدًا هي المعادلة الأخطر.
إذا نجحت المغامرة، يتقاسمان الانتصار، وإذا فشلت، يستطيع أحدهما أن يبحث عن الآخر ليحمله المسؤولية، لكن المشكلة أن إيران ليست خصمًا يمكن ضمان سقوطه بضربة عسكرية، فإيران دولة كبيرة، ذات مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية متجذرة، وتمتلك خبرة طويلة في مواجهة العقوبات والضغوط والحروب المباشرة وغير المباشرة، كما أن الهجوم الخارجي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، فيدفع الغالبية المطلقة من الشعب الإيراني إلى الالتفاف حول الدولة بدلًا من الانقلاب عليها.
وهنا يظهر الفرق بين إضعاف النظام وإسقاط النظام.
قد تكون إسرائيل والولايات المتحدة قادرتين على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية، لكن تحويل ذلك إلى انهيار سياسي داخلي مسألة مختلفة تمامًا، ولا تملك أي منهما ضمان نتائجها، لذلك، فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة أن تكون هناك خطة مضمونة لإسقاط النظام الإيراني، بل أن تتحول الحاجة إلى إنجاز سياسي إلى دافع للمغامرة غير المحسوبة، لشدة حاجة الطرفين إلى إنجاز سريع ما.
فعندما يصبح القائد في حاجة إلى انتصار كبير أكثر من حاجته إلى تجنب المخاطر، تصبح القرارات العسكرية أكثر قابلية للاندفاع، وهذا هو جوهر المسألة.
قد تبدأ المواجهة بضربة محسوبة هدفها تحقيق إنجاز سريع، لكنها قد تفتح مسارًا لا يستطيع أحد التحكم بنهايته، وقد تتحول محاولة إسقاط النظام إلى حرب إقليمية واسعة، وقد يتحول السعي إلى استعادة الردع إلى معركة تستنزف الجميع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستهاجم إسرائيل إيران؟
السؤال الأخطر هو:
هل أصبح نتنياهو وترامب بحاجة إلى الحرب مع إيران أكثر من حاجتهما إلى تجنب نتائجها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يجري التحضير له قد لا يكون مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، بل محاولة لإعادة تشكيل المنطقة بأكملها، مدفوعةً هذه المرة ليس فقط بالحسابات الاستراتيجية، وإنما أيضًا بأزمات سياسية داخلية وحاجة ملحّة إلى صناعة انتصار.
ولعل أخطر ما قد يفعله الغارقان في الفشل هو أن يبحثا عن مغامر من الداخل ينفذ ما يصعب عليهما تحمل مسؤوليته، فإن فشل، تنصلا منه، وإن نجح، سرقا إنجازه، وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن استبعاد التفكير في هذا المسار عبر بعض قوى المعارضة أو المتآمرين، إن وُجدوا وامتلكوا القدرة.
لذلك، فإن تكرار نتنياهو حديثه عن إسقاط النظام الإيراني لا ينبغي أن يُقرأ كدعاية انتخابية فقط، بل كإشارة تستوجب أعلى درجات اليقظة من الإيرانيين تحديدًا، فهو يغامر بكل ما لديه، وقد لا تكون المغامرة القادمة بالضرورة من خارج إيران.
فالخطر ليس فقط فيمن يعلن الحرب، بل فيمن قد يُدفع إلى إشعالها من الداخل، ثم يُترك وحده ليتحمل الفشل، بينما ينتظر الآخرون سرقة نجاحه إن حصل.







