مقالات وآراء

د. أسامة رشدى : مصر تحتاج إلى بديل وطني جاد لا «حكومة منفى» افتراضية

دعا الدكتور أسامة إلى بناء مظلة وطنية تجمع قوى المعارضة المصرية وتشكيل فرق متخصصة من الخبراء لإعداد برامج وحلول لأزمات البلاد، معتبرًا أن إعلان «حكومة مصرية في المنفى» في الظروف الراهنة لا يمثل بديلًا حقيقيًا ما لم يستند إلى شرعية وتفويض وامتداد شعبي وسياسي داخل مصر.

وقال، في كلمة مسجلة، إن بعض الأصوات داخل المعارضة تطرح بين الحين والآخر فكرة تشكيل حكومة في المنفى تضم خبراء في الاقتصاد والصحة والتعليم والطاقة والإدارة، بهدف تقديم نموذج بديل يقوم على الكفاءة والمحاسبة والشفافية.

وأكد أنه لا يعترض على الاستعانة بالخبراء، بل يرى أن المعارضة تحتاج إلى تكوين فرق متخصصة تدرس الأزمات التي تواجه مصر، وفي مقدمتها الديون والاقتصاد والطاقة والتعليم والصحة، وتضع سياسات وحلولًا جاهزة للحظة التي تفتح فيها أبواب التغيير والإصلاح.

وأوضح أن هناك فارقًا كبيرًا بين «إعداد بديل قادر على الحكم» وبين إعلان مجموعة من الأشخاص في الخارج أنهم أصبحوا حكومة في المنفى، مشددًا على أن الحكومة ليست مجرد قائمة وزراء أو بيان يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشار إلى أن أي حكومة تحتاج إلى شرعية وتفويض واضح، وإجابات عن أسئلة تتعلق بمن اختارها، ومن تمثل، وما علاقتها بالداخل، وما القوة التي فوضتها، وما أساسها الدستوري والقانوني، فضلًا عن حاجتها إلى اعتراف سياسي ودبلوماسي وامتداد شعبي وتنظيمي وإمكانات مؤسسية ولوجستية وبرنامج انتقالي متوافق عليه.

ورأى أن النظام في مصر يخشى وجود معارضة قوية ومشروع وطني جامع يلتف حوله المصريون، بينما إعلان حكومة لا يعترف بها أحد ولا تستند إلى تفويض شعبي أو سياسي قد يمنح أصحابها حضورًا إعلاميًا مؤقتًا، لكنه لا يمثل، بحسب رأيه، تحديًا حقيقيًا للنظام، وربما يتحول إلى مادة للسخرية أو يُستخدم لتصوير المعارضة باعتبارها مجموعات تتصارع على المناصب قبل امتلاك أدوات التغيير.

وتطرق إلى مرحلة ما بعد 3 يوليو 2013، معتبرًا أنه كان من الممكن آنذاك التفكير جديًا في حكومة منفى تستند إلى ما وصفه بـ«الاستمرارية الدستورية»، في ظل وجود رئيس وبرلمان ومؤسسات منتخبة ومسار ديمقراطي أُطيح به بالقوة.

وأضاف أنه كان بإمكان ما تبقى من تلك المؤسسات إنشاء إطار ينازع السلطة الجديدة تمثيل مصر أمام العالم، إلا أن هذه الفرصة لم تُستثمر، قبل أن تمر سنوات طويلة وتتغير الظروف والمواقف وموازين القوى.

وأكد أن ذلك لا يعني، من وجهة نظره، اكتساب النظام شرعيته بمرور الزمن أو سقوط حقوق الضحايا، وإنما يعني أن أدوات المواجهة السياسية يجب أن تتعامل مع اللحظة الراهنة، وليس مع فرصة تاريخية مضت ولم تعد شروطها قائمة.

وشدد على أن إدارة الدولة ليست مسألة فنية فقط، موضحًا أن الخبير الاقتصادي يستطيع إعداد خطة لمعالجة الديون، لكن العمل التنفيذي يحتاج إلى البيانات والمعلومات المتاحة داخل مؤسسات الدولة.

وقال إن مصر لا تحتاج إلى «حكم الخبراء بدلًا من حكم الشعب»، وإنما إلى سلطة شرعية منتخبة تستعين بالخبراء وتخضع للمحاسبة.

واعتبر أن المطلوب في المرحلة الحالية ليس توزيع ألقاب رئيس الوزراء ووزراء الخارجية والاقتصاد بين شخصيات موجودة في الخارج، وإنما بناء مظلة وطنية تجمع القوى الراغبة في التغيير على حد أدنى واضح، يركز على إنهاء الاستبداد، واستعادة سيادة القانون، وإطلاق الحريات، وحماية مؤسسات الدولة، وإبعاد الجيش عن السياسة والاقتصاد، وإجراء انتخابات حرة.

واقترح أن تعمل تحت هذه المظلة مجالس للخبراء وفرق متخصصة تتولى إعداد خطط عملية لـ«اليوم التالي»، تتضمن كيفية حماية مؤسسات الدولة من الانهيار، ومعالجة أزمة الديون وارتفاع الأسعار، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وإعادة بناء القضاء والأجهزة الرقابية، وتحقيق العدالة الانتقالية دون انتقام أو فوضى.

ووصف هذا المسار بأنه العمل الحقيقي الذي تحتاج إليه مصر، معتبرًا أنه أكثر جدية وتأثيرًا من إعلان حكومة افتراضية على الورق.

وأضاف أن أنظار قطاعات متزايدة من المصريين بدأت، بحسب تقديره، تتجه إلى المعارضة في ظل ما وصفه بفشل النظام، معتبرًا أن ذلك يمثل فرصة ومسؤولية في الوقت نفسه، ويستوجب عدم تشتيتها بمشروعات غير ناضجة أو صراعات على مناصب لا وجود لها فعليًا.

ودعا في ختام كلمته إلى إعداد البديل وتشكيل فرق الخبراء ووضع البرامج والحلول وبناء مظلة وطنية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، بدلًا من إعلان حكومة لا يعترف بها الداخل أو الخارج ولا تمتلك مقومات الحكومة الفعلية.

وختم بالقول: «مصر تحتاج إلى بديل جاد، لا إلى حكومة افتراضية؛ فالشرعية لا يصنعها البيان، والحكومة لا تُبنى بتوزيع الحقائب، والبديل الحقيقي يكتسب ثقة الشعب بالعمل والكفاءة والوحدة والاستعداد».

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى