شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: كلمتي: للغافلين… والمتغافلين

لو أعلن الأسد لرفاق الغابة أنه أصبح نباتيا، ورفع حزمة من الخضروات دليلا على هجره اللحم، وابتسم حتى ظهرت أنيابه، فهل يكفي وعده كي تنسى الغابة طبعه، من دون أن يعلن حتى ندمه؟ أم أن آفة الغابة هي النسيان؟

المأساة ليست في أن يتنكر الأسد لتاريخه، بل في أن يجد من يصدقه. وأخطر ممن يصدقه، من يعرف الحقيقة ثم يتغافل عنها. فالغافل تخدعه الصورة، أما المتغافل فيرى الأنياب، ثم يقنع الآخرين بأنها ابتسامة.

وتلك كلمتي إلى الاثنين: الغافلين والمتغافلين. أما المغفلون، فلا كلمة لهم، بل دعاء بالشفاء.

حين تتداخل ألوان الصورة

من منفى إلى منفى…

ومن جيل إلى جيل…

ومن حلم لم يكتمل…

إلى حلم نرفض أن يتحول إلى كابوس.

… إلى كل من أحب مصر كما هي، ولم يغفل أو يتغافل عن حقه في أن يحلم بها كما ينبغي أن تكون.

مصر، الوطن الذي نستحقه، ليست وهما. والحقيقة ليست وعودا شعبوية مؤجلة، ولا برنامجا أعده الذكاء الاصطناعي، ثم طلب من الناس أن يصدقوه قبل أن يختبروه. وليست تمرينا في المعارضة لإثبات الحضور، بتغييب الآخرين وتعييبهم.

كلما نظرت إلى مصر في سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، أغمضت عيني قليلا لأرى، بعد كل ما مر بنا وما مررنا به، أن الأطراف كلها تكرر الأخطاء نفسها. الطريق بات أصعب، والكلفة أكبر، والوقت أضيق، لكن الممكن لم يتحول إلى مستحيل.

فالأوطان لا تفقد فرصتها في المستقبل لأنها أخطأت، وإنما تفقدها حين تصر على الخطأ. ولا تنهزم لأنها تعثرت، وإنما حين تقنع نفسها بأن النهوض بعد التعثر صار مستحيلا.

بين مصر التي نعيشها، ومصر التي نستحقها، مسافة لا تختصرها الخطب فوق منصات لا نعرفها، ولا تعبرها الأمنيات، ولا تكفي لقطعها لحظات غضب، أو قرار فوقي، أو مشروع تلمع واجهته بينما تفتقد أساساته.

السياسة في معناها النبيل تعرف التسامح مع من يراجع نفسه، لكنها لا تصدق أن الثلج يمكن أن يكون ساخنا، أو أن الأسد استيقظ اليوم أخضر اللون، نباتي الطعام!

وفي الجانب الآخر من الصورة، لا يعني نبل السياسة وحسن النوايا التسامح مع وعود إصلاح تعمل كالأبواب الدوارة؛ ندلف إليها، فتردنا إلى النقطة نفسها التي دخلنا منها.

غموض يحيط بكل شيء. فلا نعرف أين نقف، ولماذا وصلنا إلى هنا، وإلى أين نريد أن نذهب، ومن يدفع كلفة الطريق، ومن يجني ثماره.

ولا يجوز تجاهل أن نقد السلطة حق وواجب حين تخطئ، وأن الدفاع عن المعارضة الرشيدة وحقها في الوجود جزء من الدفاع عن المجتمع، وحمايته من تجار جدد أقل رشدا وعلما بالقواعد.

الفكرة الأوسع: أن مصر أكبر من حكوماتها، وأبقى من حكامها، وأكبر أيضا من معارضة تنصب نفسها بنفسها، وتبدل مظلاتها، من دون اعتراف بأخطائها. فالمستقبل لا ينبغي أن يكون رهينة لمن يحكم اليوم، كما لا ينبغي أن يكون التغيير مجرد انتقام ممن حكم بالأمس.

كثيرا ما يقال إن المعارضة تجيد وصف المرض ولا تقدم دواء، بل تقدم أحيانا وصفات بلدية، تصلح لمحال العطارة، لا لإدارة دولة. وقد يكون في تاريخ بعض الحركات والمعارضات وأوراقها ما يمنح هذا الاتهام بعض ظلاله، لكن تحويله إلى قاعدة هو، في ذاته، نوع من الهروب من مناقشة حق أي مجتمع في أن تكون لديه بدائل.

المعارضة الجادة في معظم دول العالم ليست مهنة احتجاج، بل مسؤولية اقتراح وتدبر وتفكيك للأزمات. فالأمر ليس خصومة مع الدولة، بل اختلافا مع النظام حول الطريق الذي يجعل الدولة أقوى، والمواطن أفضل حالا.

والمعارضة لا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على كشف الخطأ، الذي بات ظاهرا للجميع، وإنما من قدرتها أيضا على تغييره، وتصور بديل غير شعبوي ولا فوضوي. بديل مدروس، يحسب كلفته، ويرتب أولوياته، ويعترف بصعوباته، ويكشف عن خبرة بالتفاصيل وحدود الممكن والمتاح.

وهذا، في الحقيقة، هو مربط الفرس في التقييم الموضوعي لأي مشروع فردي أو جماعي يطرح نفسه بوصفه بديلا.

وكما يقولون: الشيطان يكمن في التفاصيل. وأضيف: وفي التضليل أيضا.

عشت قرابة عشر سنوات في دهاليز لجنة الخطة والموازنة في البرلمان المصري، وكنت أتلقى كل عام عشرات المقترحات من زملاء نواب، بعضهم كان يطلب تعديلات على الموازنة تتجاوز حدود الناتج القومي الإجمالي نفسه!

وقلة قليلة كانت تقدم مقترحات تحترم الواقع، وتفهم حدوده وما يتيحه. فالشعبوية قد تجلب أنصارا ومصفقين وإعجابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لا تصمد أمام جدار الواقع وحدود المنطق.

من أزمة الديمقراطية إلى بناء دولة القانون. ومن علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة والاقتصاد إلى ضرورة استعادة التوازن بين مؤسسات الدولة. ومن اقتصاد مثقل بالديون إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والمنافسة.

ومن وثيقة ملكية الدولة إلى القضية الأوسع حول حدود الدولة في السوق، وحدود السوق في الدولة. ومن العدالة الاجتماعية إلى عدالة الفرص. ومن الصحة والتعليم إلى الثقافة والإعلام. ومن الزراعة والغذاء إلى الماء والنيل. ومن النقل والعمران إلى حق الأقاليم والأطراف في التنمية. ومن الرياضة والقوة الناعمة إلى السياسة الخارجية والأمن القومي.

ظل جوهر الأمر واحدا: كيف نستعيد الإنسان بوصفه غاية الدولة، لا مجرد رقم في دفاترها؟ وكيف لا تكون الديمقراطية زينة دستورية، أو صندوقا يظهر كل عدة سنوات، ثم يختفي المجتمع كله من المشهد؟

الديمقراطية التي نستحقها هي طريقة لإدارة الاختلاف، وضمانة ضد احتكار القرار، وآلية لتصحيح الخطأ قبل أن يتحول الخطأ إلى سياسة، والسياسة إلى مصير.

وألا يكون الجيش خصما، ولا منافسا، ولا حزبا حاكما، بل مؤسسة وطنية كبرى، تزداد قوة كلما ابتعدت عن صراعات السياسة وتقلبات السوق، وتزداد مكانتها كلما تفرغت للمهمة التي لا يستطيع أحد غيرها القيام بها: حماية الوطن وحدوده وأمنه القومي.

ولا تقاس قوة الاقتصاد بعدد الأبراج التي ارتفعت، ولا بطول الطرق وحده، ولا بحجم الأموال التي اقترضناها، بل بما ينتجه المصري، وما يصدره، وما يتعلمه، وما يديره، وما يستطيع أن يحلم به، من دون أن يصبح حلمه الأكبر طلب تأشيرة للهجرة.

الاقتصاد الذي نريده ليس اقتصاد دولة تنسحب من مسؤولياتها الاجتماعية، ولا اقتصاد دولة تزاحم مواطنيها في كل متجر ومصنع وقطعة أرض. إنه اقتصاد ليبرالي اجتماعي، يحمي المنافسة ولا يحمي الاحتكار، ويشجع الاستثمار ولا يبيع القرار الوطني، ويصون الملكية الخاصة ويحمي المال العام.

اقتصاد يعرف أن السوق بلا قانون قد يتحول إلى غابة، وأن الدولة بلا حدود قد تصبح هي أسد الغابة، حتى لو أقسمت بأغلظ الأيمان أنها باتت نباتية!

لذلك كانت قضية ملكية الدولة جزءا من قضية أكبر: من يملك ماذا؟ ولماذا؟ ولصالح من؟ وكيف تخرج الدولة من نشاط، من دون أن تنتقل الأصول العامة من احتكار حكومي إلى احتكار خاص؟

وكيف يتحول التخارج إلى إصلاح اقتصادي حقيقي، لا إلى عملية بيع تمول عجز اليوم، وتترك أجيال الغد أمام خزائن أشد فراغا؟

وألا تكون العدالة الاجتماعية صدقة توزعها الحكومة، بل حقا تصنعه السياسات. تبدأ بمدرسة جيدة لا يسأل بابها عن دخل الأب، ومستشفى لا يميز بين غني وفقير، وتأمين اجتماعي يحمي أموال أصحابه، ومعاش يصل إلى صاحبه بكرامة، وضريبة عادلة، وفرصة عمل لا تحتاج إلى واسطة، وقانون يقف أمامه الوزير والغفير على أرض واحدة.

مصر ليست القاهرة وحدها، وليست العاصمة الجديدة التي تتسع بينما تضيق الجمهورية. فمصر هي الصعيد، والدلتا، وسيناء، والنوبة، والساحل، والحدود، والقرية، والمدينة. والتنمية التي تترك الأطراف وراءها ليست تنمية وطنية.

والعمران الذي يبني مدنا جديدة، بينما تذبل المدن القديمة، ليس وحده دليلا على التقدم. الأسمنت مهم، لكن الإنسان أهم. والطريق ضرورة، لكن الأهم هو: إلى أين يأخذ الناس؟

وفي بلد صنع النيل تاريخه، لا يجوز أن يصبح الماء مجرد ملف موسمي تستيقظ عليه السياسة عند كل أزمة. فالأمن المائي أمن إنساني قبل أن يكون ملف حدود، وهو متصل بالغذاء والطاقة والزراعة والاستثمار والعلاقات الأفريقية.

والمطلوب ألا تحمي مصر حصتها وحقوقها بمجرد رفع الصوت، بل ببناء قوة تفاوضية واقتصادية وعلمية، وبإدارة رشيدة لكل قطرة، وبشراكة لا تتنازل عن الحق، ولا تحول الجغرافيا إلى عداوة أبدية.

وفي مصر عام ألفين وستة وعشرين، بات التعليم مخزنا للشهادات، وتحول عبؤه إلى مسؤولية مباشرة تثقل كل أسرة تريد أن تعلم أبناءها. كما باتت الثقافة ترفا مؤجلا إلى ما بعد الخبز.

لكن الأمم لا تعيش بالخبز وحده، ولا تحمي مصر نفسها بالسلاح وحده. تحميها أيضا عقلانية مواطنيها، وقدرتهم على التفكير والنقد وقبول الاختلاف.

وتحميها مواجهة التطرف، بكل صنوفه، بالفكر والمنطق والمعرفة، واستعادة قوتها الناعمة التي جعلت القاهرة يوما عاصمة تسمعها المنطقة قبل أن تتكلم.

السياسة الخارجية لا تبدأ بالبحث عن عدو، ولا تنتهي عند انتظار صديق، بل تبدأ من تعريف واضح للمصلحة المصرية.

فمصر ليست جزيرة، ولا ينبغي أن تكون تابعا في محيطها. وموقعها بين أفريقيا والعالم العربي والمتوسط والبحر الأحمر ليس عبئا جغرافيا، بل ثروة استراتيجية، إذا أحسنا تحويل الموقع إلى دور، والدور إلى مصالح، والمصالح إلى شراكات متوازنة.

لا أحاول أن أرسم مدينة فاضلة فوق الورق. أعرف، من خبرة تقارب نصف قرن في السياسة، ومن البرلمان والانتخابات والسجن والمنفى، ومن الاقتراب والابتعاد عن دوائر القرار، أن الواقع أكثر عنادا من الكتب، وأن الأرقام أحيانا أكثر قسوة من الخطب.

وأعرف أن أجمل الأفكار قد تفسدها إدارة سيئة، مثلما تستطيع إرادة سياسية رشيدة أن تصنع من موارد محدودة معجزة صغيرة تكبر مع الوقت.

مصر لا تحتاج إلى وصفة سحرية. ما أطرحه مجموعة من الطرق القابلة للنقاش العاقل، والأفكار القابلة للتطوير، والسياسات التي يمكن تعديلها، والأولويات التي يمكن الاختلاف حول ترتيبها.

لا أدعي، كغيري، امتلاك الحقيقة، ولا أظن أن فردا أو حزبا يستطيع امتلاكها. فالدولة التي نريد بناءها يجب، قبل كل شيء، أن تكون قادرة على الاستماع إلى أكثر من حقيقة، وأكثر من رأي، وأكثر من طريق.

ما أدافع عنه هو حق مصر في أن يكون أمامها أكثر من برنامج. لا أن ينتصر رأيي، بل أن تنتصر للوطن فكرة الاختيار.

ليس المطلوب أن يستبدل البلد احتكارا باحتكار، أو صوتا واحدا بصوت آخر، بل أن تصبح السياسة مرة أخرى مساحة يتنافس فيها المصريون على خدمة مصر، لا على امتلاكها.

أعرف أن قارئا قد يصل إلى بعض هذه الكلمات فيقول:

جميل، ولكن هل يمكن حقا فعل ذلك؟

هنا أقول:

يمكن أن يحدث إذا تغيرت شروط حدوثه. فمصر لم تولد فقيرة في المواهب، ولا هامشية في الجغرافيا، ولا عاجزة عن إنتاج بدائل عاقلة ومطمئنة، ولا محكومة إلى الأبد بالاستبداد أو الفقر أو الدين أو الخوف.

ما يبدو قدرا، كثيرا ما يكون نتيجة.

فما صنعته السياسة من يأس، تستطيع سياسة أفضل أن تصلحه. ولدينا شعب أثبت، كلما أتيحت له نافذة، أنه يستطيع أن يبدع ويعمل وينافس. ولدينا موقع لا تستطيع خرائط العالم تجاهله.

ولدينا تاريخ ليس مطلوبا أن نسكن داخله، بل أن نستمد منه الثقة في صناعة تاريخ جديد. ولدينا مصريون في الداخل والخارج، يحملون من المعرفة والخبرة والنجاح ما يكفي لإعادة بناء أكثر من قطاع، إذا وجدوا دولة تحترمهم بدلا من أن تشك فيهم، وتفتح لهم الأبواب بدلا من أن تطلب منهم الوقوف أمامها.

مشكلتنا لم تكن يوما أن مصر بلد فقير بلا إمكانات. مشكلتنا كانت في إدارة الإمكانات، وترتيب الأولويات، وتوزيع الفرص، وطريقة اتخاذ القرار، وغياب المحاسبة حين يخطئ القرار.

«فمصر التي أخفقت هي مصر التي تستطيع».

مصر التي تستطيع الانتقال من دولة تخشى المواطن إلى دولة تثق به. ومن اقتصاد يعيش على الاقتراض إلى اقتصاد يعيش على الإنتاج. ومن إدارة تحتكر الحقيقة إلى حكم يقبل الرقابة. ومن مركز يبتلع الأطراف إلى جمهورية تتسع للجميع. ومن سياسة خارجية تكتفي بالاستجابة للأحداث إلى دولة تسهم في صنعها. ومن مجتمع أنهكه الخوف إلى مجتمع يستعيد فضيلة المبادرة.

هذه ليست أحلاما شاعرية معلقة فوق سماء مصر، بل خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية، لها كلفة، ولها شروط، ولها تجارب ناجحة وأخرى فاشلة في العالم يمكن أن نتعلم منها.

إلا أن لها نقطة بداية واحدة: أن نعترف بأن الاستمرار في الطريق نفسه لن يأخذنا إلى مكان مختلف.

هذه السطور ليست نهاية حوار موجه إلى الغافلين والمتغافلين، بل بدايته.

ولا أطلب منهم أن يوافقوني، بل أتوقع وأرحب بأن يختلفوا معي في بعضها، وأن يضيفوا إلى بعضها، وربما يهدموا فكرة ليبنوا أفضل منها. فهذا، في ذاته، جزء من مصر التي أحلم بها: وطن لا يخاف من الاختلاف، وتكون ثقته بنفسه أكبر من خوفه من الرأي الآخر.

وبعد سنوات طويلة دفعت فيها، مثل ملايين المصريين، أثمانا مختلفة للسياسة وللحلم، ما زلت أرفض أن أتعلم اليأس.

فاليأس ليس واقعية، كما يظن البعض. اليأس استسلام للواقع، ولمستقبل سيكون هو الأسوأ.

أما الواقعية الحقيقية، فهي أن ترى الواقع بكل قسوته، ثم تبحث داخله عن الباب الذي يمكن فتحه.

فهل تبحثون معي عن هذا الباب؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى