باب المندب على كف عفريت: هل تفقد قناة السويس أهميتها؟

توسعت جماعة أنصار الله في نطاق نفوذها العسكري على الساحل الغربي لليمن وصولا إلى قلب مضيق باب المندب، إثر انتشار مسلحيها في جزيرة ميون الاستراتيجية المعروفة باسم بريم، ووصولهم إلى منطقة ذوباب، في تحول ميداني وصفته وكالة أسوشيتد برس بأنه المكسب الأضخم للجماعة منذ سنوات طويلة، وهو ما يضع أحد أهم الممرات البحرية في العالم تحت طائلة التهديد المباشر والمستمر دون انقطاع.
سيطرة الحوثيين على باب المندب تهدد ملاحة قناة السويس العالمية
تحركت القوات المسلحة التابعة للحوثيين نحو الساحل المطل على البحر الأحمر، متضمنة السيطرة الميدانية على مدينة المخا وجزيرة زقر، وسط فرض حصار محكم على قوات حكومية تتمركز في جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى. أكد مسؤول حكومي يمني لوكالة الصحافة الفرنسية أن قوارب تقل مسلحين حوثيين رست في جزيرة ميون عقب انسحاب القوات الحكومية منها، بينما رصد المراقبون تحركات لعناصر الجماعة على شاطئ باب المندب باستخدام مركبات عسكرية متنوعة. رجح المصدر ذاته أن الغاية الرئيسية من هذا الانتشار تكمن في التموضع فوق التلال المرتفعة المطلة على المضيق لضمان تأمين مواقع مراقبة دقيقة والسيطرة التامة على الممر المائي، بغض النظر عن حجم القوات المنتشرة ميدانيا. أصدرت الجماعة بيانا عسكريا أكدت خلاله إبعاد قوات سعودية من ست مديريات تتوزع جغرافيا بين محافظتي تعز والحديدة بمساحة إجمالية لامست خمسة آلاف وأربعمائة كيلومتر مربع، إلى جانب استهداف سبعة تشكيلات عسكرية تضم ثمانية وثلاثين لواء، فضلا عن تنفيذ اثنين وثلاثين عملية استهدفت طائرات حربية سعودية وأسفرت عن إسقاط تسع طائرات وفقا للرواية الرسمية. ردت قوات الحكومة اليمنية عبر إعلان رسمي تضمن إسقاط خمس طائرات مسيرة تابعة للحوثيين في الجهة الشرقية لمحافظة الجوف.
تحظى جزيرة ميون بأهمية بالغة نظرا لوقوعها في قلب مضيق باب المندب، مما يمنحها إشرافا مباشرا على خطوط الملاحة الحيوية الرابطة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. يرى خبراء البحرية أن السيطرة على هذه البقعة الصخرية تمنح الطرف المسيطر قدرة فائقة على رصد وتهديد حركة السفن المارة، وهو ما دفع محللا يمنيا بارزا لوصف هذا التطور بأنه نقطة تحول محورية تمكن الجماعة من زعزعة الاستقرار الملاحي في البحر الأحمر بمعدلات غير مسبوقة. يمتد التأثير ليطمل أبعادا إقليمية أوسع، إذ يعتقد باحثون أن تعزيز نفوذ حليف لطهران قرب ممر استراتيجي يمنح الإدارة الايرانية ورقة ضغط إضافية بمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، في توقيت تتصاعد فيه المخاوف الإقليمية من اتساع دائرة المواجهة لتشمل أطرافا جديدة في الإقليم.
يمثل مضيق باب المندب شريانا حيويا يمر عبره أكثر من ربع التجارة العالمية بين الشرق والغرب، متضمنا كميات هائلة من النفط والغاز المسال المتجهة من منطقة الخليج وبلدان الشرق الأوسط نحو قارة أوروبا وأمريكا الشمالية عبر البحر الأحمر وقناة السويس. تتسبب أي هزات ملاحية في هذا الممر بانعكاسات فورية على أمن الطاقة العالمي ومعدلات تكاليف الشحن، حيث تضطر الشركات الكبرى لتحويل مسار رحلاتها صوب طريق رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب قارة أفريقيا، مما يرفع تكاليف النقل ويزيد المدة الزمنية، وينعكس سلبا على تسعير السلع والمنتجات الصناعية والغذائية في الأسواق الدولية.
تتزامن هذه التطورات بالنسبة للجمهورية العربية السورية مع ظرف حساس تشهده حركة الملاحة في قناة السويس بعد مرحلة من النزيف الحاد في الإيرادات نتيجة تحويل كبرى شركات الشحن مساراتها بعيد وعن البحر الأحمر إثر الهجمات المتكررة. بدأت القناة مؤخرا استعادة جزء من حيويتها بفضل العودة التدريجية لشركات عملاقة مثل ميرسك وإم إس سي وسي إم إس سي جي إم. أظهرت بيانات هيئة قناة السويس ارتفاع الإيرادات خلال السنة المالية ألفين وخمسة وعشرين إلى ألفين وخستين لتسجل أربعة مليارات وستمائة وسبعين مليون دولار بنسبة نمو بلغت ثلاثة وعشرين بالمائة، بينما توقع رئيس الهيئة أسامة ربيع بلوغ العائدات نحو ثمانية مليارات دولار خلال عام ألفين وخستين شريطة استقرار الأوضاع الملاحية. يواجه هذا التعافي الهش شبح الانتكاسة مجدداً مع تمدد النفوذ الحوثي نحو المواقع الاستراتيجية المتاخمة لباب المندب، حيث أثارت السطوة على مدينة المخا وحدها هواجس من تراجع حركة الملاحة في قناة السويس بنسبة قد تصل إلى أربعين بالمائة من القدرة التشغيلية الفعلية. يرجح الخبراء لجوء شركات الشحن إلى المسار الأفريقي الطويل تفاديا للمخاطر، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تراجع عدد السفن العابرة وانكماش الإيرادات الأجنبية وسط التحديات الاقتصادية الراهنة. حذر محللون دوليون من تفاقم الاضطرابات في الملاحة العالمية وأسواق الطاقة إذا تحولت جزيرة ميون إلى منصة هجومية مباشرة ضد السفن العابرة. تستعد القوات الحكومية اليمنية لشن هجوم مضاد لاستعادة المناطق المفقودة، فيما يبقى مصير الممر مرهونا بمآلات المواجهة الميدانية القادمة وقدرة المجتمع الدولي على احتواء التصعيد.





