خزينة الدولة في مأزق: فوائد الدين تبتلع الإيرادات والمواطن يتحمل الفاتورة

أكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، أن الأسواق الناشئة تتعرض لضغوط متصاعدة نتيجة لارتفاع عوائد السندات في الأسواق العالمية، مشدداً على ضرورة منح ملف المديونية أولوية قصوى خلال المرحلة القادمة. وردت هذه التصريحات خلال جلسة تناولت المشهد الاقتصادي والاستثماري، وتتزامن مع بيانات رسمية تفيد بأن تكلفة خدمة الدين تستحوذ على النصيب الأكبر من إيرادات الجمهورية، مما يضغط بقوة على مخصصات الإنفاق الخدمي والاجتماعي المرتبط بحياة المواطنين اليومية.
تآكل الموازنة وفوائد القروض تلتهم الجزء الأكبر من الموارد المالية العامة
تتطرق المناقشات المالية إلى ضرورة عدم قصر النقاشات على الدين الخارجي فقط، بل يشمل التحذير الدين المحلي كذلك، مع أهمية تنسيق الإدارة بين النوعين بشكل متكامل. وأوضح محيي الدين أن مدفوعات فوائد الديون تستنزف أكثر من سبعين بالمئة من الإيرادات العامة وفق تقديرات معينة، وقد تتجاوز ثمانين بالمئة بمقاييس أخرى، وهو ما يبرز حجم العبء الثقيل المفروض على الخزانة العامة. وتكشف التقارير المالية الصادرة عن وزارة المالية أن الأوضاع الفعلية تبدو أكثر حدة، حيث استحوذت فوائد الديون وحدها على نحو واحد وثمانين بالمئة من إجمالي الإيرادات خلال الفترة بين يوليو 2025 ومارس 2026، بعد أن سجلت تسعين بالمئة في الفترة المماثلة من العام الأسبق.
ترتفع النسبة عند احتساب إجمالي خدمة الدين من أقساط وفوائد معاً لتصل إلى نحو خمسة وستين بالمئة من حجم الموازنة العامة نفسها وفق تقديرات مستقلة. وتوقعت وكالة التصنيف الائتماني “موديز” بلوغ مدفوعات الفوائد الحكومية ذروتها خلال العام المالي 2026 عند نحو ثلاثة وستين بالمئة من الإيرادات، أي ما يعادل أحد عشر بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، على أن تنخفض تدريجياً إلى سبعة وخمسين بالمئة بحلول عام 2028. وتشير موازنة العام المالي 2026-2027 إلى قفزة محتملة في إجمالي خدمة الدين بنسبة تسعة عشر بالمئة لتصل إلى نحو خمسة تريليونات ومائتي مليار جنيه.
ينعكس هذا الاستنزاف بوضوح على تراجع الحيز المالي المخصص لبنود الدعم والخدمات الحيوية مثل السلع التموينية، والتي انخفضت نسبتها من مصروفات الموازنة لتسجل نحو ثلاثة بالمئة فقط في العام المالي الحالي مقارنة بنحو ستة بالمئة في عام 2021. وبلغت مخصصات دعم السلع التموينية نحو مائة وستين مليار جنيه في موازنة 2025-2026، بينما تراجعت قيمتها الفعلية بالدولار إلى نحو الثلثين مقارنة بعام 2014، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر رغم مؤشرات التعافي الاقتصادي الكلي.
دعا محيي الدين إلى اعتماد حلول هيكلية بعيدة عن الصفقات المؤقتة، تشمل تغيير نموذج النمو الاقتصادي، وتحسين الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الاقتراض، وتوحيد الموازنة العامة للحد من تنافس الجهات الحكومية والهيئات الاقتصادية على الاقتراض. كما حذر من مخاطر التوسع في الاعتماد على الأموال الساخنة ومتاجرة الفارق المالي نظراً لتأثر الاستقرار المالي السريع بأي صدمات خارجية محتملة.







