مقالات وآراء

كنانة خلف الكردي تكتب: القرارات الاعتباطية في الدولة السورية حين يصبح المواطن هو من يدفع ثمن القرار

ليست المشكلة دائماً في صعوبة القرار، بل في كيفية اتخاذه وتوقيته وثمنه الاجتماعي.

في الإدارة، قد يكون القرار ضرورياً، وقد تكون الظروف الاقتصادية قاسية، وقد لا تمتلك الدولة دائماً خيارات مريحة. لكن عندما تتكرر القرارات التي تمس الأسعار والمحروقات والنقل والخدمات من دون دراسة واضحة لأثرها على حياة الناس، فإن المسألة تتجاوز حدود الإجراء الإداري لتصبح أزمة ثقة بين المواطن والقرار.

المواطن السوري اليوم لا ينظر إلى ارتفاع سعر المحروقات باعتباره رقماً جديداً في جدول الأسعار، ولا إلى غلاء السلع باعتباره مؤشراً اقتصادياً مجرداً. هو يراه من داخل منزله: ماذا سيأكل أولادي؟ كيف سأدفع أجرة النقل؟ كيف سأؤمّن احتياجات الشهر؟ وهل سيكفيني دخلي حتى نهايته؟

وهنا يحدث التحول الأخطر.

عندما يُرهق المواطن اقتصادياً، يبدأ العقل الجمعي بالتراجع أمام العقل الفردي. ليس لأن المواطن تخلى عن الدولة أو عن المصلحة العامة، وإنما لأن غريزة تأمين الأسرة تصبح أقوى من كل الاعتبارات الأخرى.

فالإنسان الذي ينشغل يومياً بتأمين الخبز والدواء والوقود ومصاريف أطفاله، لن يستطيع أن يُطلب منه في الوقت ذاته أن يتحمل بلا حدود نتائج قرارات لا يعرف كيف اتُخذت ولا متى ستتوقف آثارها.

وهذه الحقيقة يجب أن تكون في صلب أي سياسة عامة.

الدولة لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على استشراف آثار قراراتها على المجتمع.

القرار الاقتصادي الرشيد لا يبدأ من سؤال: كم نحتاج من الإيرادات؟ فقط، بل يبدأ أيضاً من سؤال آخر: كم يستطيع المواطن أن يتحمل؟

وهذا لا يعني أن الدولة يجب أن تتجنب القرارات الصعبة. على العكس، قد تكون هناك قرارات اقتصادية مؤلمة لا مفر منها. لكن القرار الصعب يختلف جذرياً عن القرار الاعتباطي.

القرار الصعب تكون وراءه دراسة، وأرقام، وبدائل، وتدرج، وتوقيت، وآلية للتخفيف من آثاره على الفئات الأضعف.

أما القرار الاعتباطي فهو الذي يصل إلى المواطن قبل أن تصل إليه أسبابه وتفسيراته، ويترك السوق والمجتمع يتعاملان مع نتائجه منفردين.

وهنا تظهر مسؤولية الإدارة.

المواطن يستطيع تحمل الصعوبة عندما يفهمها، لكنه يصعب عليه تحمل المفاجأة.

فالمشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في غياب القدرة على التنبؤ. حين لا يعرف الموظف أو العامل ماذا سيكلفه النقل غداً، وكم سيصبح سعر الوقود، وكيف ستتغير أسعار السلع والخدمات، تتحول الحياة الاقتصادية إلى حالة من القلق المستمر.

وهذا القلق لا يبقى اقتصادياً.

إنه يتحول تدريجياً إلى شعور بعدم الأمان الاجتماعي، ثم إلى تراجع في الثقة، ثم إلى انسحاب من فكرة المصلحة العامة لصالح منطق النجاة الفردية.

وهنا تحديداً يجب أن تنتبه الإدارة السورية إلى خطورة الفجوة بين القرار والمواطن.

فالقرار الذي يُتخذ داخل مكتب حكومي قد يبدو منطقياً على الورق، لكنه قد ينتج أثراً مختلفاً تماماً عندما يصل إلى سوق يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية، وإلى أسرة محدودة الدخل، وإلى عامل يدفع جزءاً كبيراً من دخله ثمناً للوصول إلى عمله.

لذلك، تحتاج الإدارة إلى الانتقال من إدارة القرار إلى إدارة أثر القرار.

وهذا يتطلب قبل أي زيادة أو تعديل في الأسعار إجراء تقييم اجتماعي واقتصادي واضح، والاستماع إلى القطاعات المتضررة، ووضع مراحل انتقالية، وتحديد آليات لحماية أصحاب الدخل المحدود، ومراجعة القرار بعد تطبيقه بدلاً من ترك المواطن وحيداً أمام نتائجه.

كما أن الشفافية ليست ترفاً إعلامياً.

عندما تشرح الدولة أسباب القرار، وحجم المشكلة، والبدائل التي درستها، وما الذي ستفعله لحماية الناس، فإنها تبني شريكاً من المواطن.

أما الصمت، أو القرارات المفاجئة، أو ترك الناس أمام الشائعات والتفسيرات المتناقضة، فهي تفتح الباب أمام فقدان الثقة حتى لو كان القرار في أصله ضرورياً.

نحن لا نحتاج إدارة تخاف من النقد، بل إدارة تستفيد من النقد قبل أن يتحول الخطأ الإداري إلى أزمة اجتماعية.

الدولة القوية ليست التي تستطيع فرض القرار فقط، وإنما التي تستطيع أن تجعل المواطن يفهمه ويتحمل ضرورته ويثق بأن كلفته موزعة بعدالة.

وفي النهاية، لا ينبغي أن ننسى حقيقة بسيطة:

وراء كل قرار اقتصادي إنسان.

وراء سعر المحروقات أبٌ يحسب أجرة الطريق إلى عمله، ووراء غلاء الغذاء أمّ تعيد ترتيب قائمة مشتريات منزلها، ووراء كل زيادة في الأسعار طفل ينتظر أن تبقى حاجاته الأساسية مؤمّنة.

لذلك، فإن إصلاح الإدارة السورية لا يبدأ فقط بتغيير القوانين أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل يبدأ أيضاً من تغيير فلسفة اتخاذ القرار:

لا قرار بلا دراسة أثر، ولا زيادة بلا حماية اجتماعية، ولا سياسة اقتصادية بلا إنصات للمواطن.

فالمواطن ليس رقماً في الموازنة، وليس هامشاً في القرار.

إنه أساس الدولة، وإذا أُنهك الإنسان، فلن تستطيع الإدارة وحدها أن تبني دولة مستقرة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى