مناجم باميان تبتلع الأراضي الزراعية الأفغانية: هل تنطفئ شعلة الحياة أخيرا؟

تشهد ولاية باميان الواقعة في أفغانستان أزمة إنسانية ومعيشية متصاعدة نتيجة الزحف المستمر لمشاريع التعدين الاستراتيجية على الرقع الزراعية التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد لعشرات الأسر الريفية البسيطة. تمتد هذه التحولات القاسية لتضع السكان المحليين أمام واقع مرير يهدد استقرارهم ووجودهم التاريخي في مناطقهم بعد أن تحولت حقولهم الخضراء إلى ساحات للعمليات الصناعية والاستخراجية الكبرى.
تتضح معالم هذه المأساة بوضوح في قرية باي كوتل التابعة للمنطقة التعدينية حيث اضطرت نحو خمسين أسرة تقطن هناك إلى مواجهة مصير مجهول وسط ضغوط متزايدة لمغادرة منازلهم وأراضيهم التي طالما استخدموها لزراعة محاصيل البطاطا الموسمية. تسببت تلك التורים التعدينية في إجبار المزارعين على حصاد محاصيلهم مبكراً وقبل اكتمال نضجها خوفاً من فقدان السيطرة الكاملة على حيازاتهم القليلة التي تمثل رأس المال الوحيد وغطاء الأمان المعيشي لهم ولأطفالهم في مواجهة الفقر المدقع.
تعدين باميان يهدد أراضي المزارع ويشرد العائلات الأفغانية
أعلنت وزارة المناجم والبترول خلال شهر يونيو عام ألفين وستة وعشرين عن توقيع عقد استثماري ضخم لاستخراج خام الحديد في الولاية لمدة ثلاثين عاماً مع شركتين محليتين على مساحة بلغت خمسة وثمانين كيلومتراً مربعاً مع فرض إتاوة بنسبة عشرين بالمائة ومعالجة المواد داخل أفغانستان. تسعى الجهات الرسمية والشركات المستثمرة من خلال هذه الخطط الكبرى إلى تحفيز التنمية الاقتصادية الشاملة وتوفير فرص العمل وتنشيط البنية التحتية الإقليمية استناداً إلى الثروات المعدنية الهائلة التي تذخر بها جبال المنطقة.
تتجسد المفارقة الكبرى في تساؤلات الأهالي المتضررة عن جدول الفوائد المرتجاة وما إذا كانت عوائد التنمية ستعوض الخسائر الفادحة المتمثلة في اقتلاع السكان من جذورهم وتدمير مصادر دخلهم الأساسية بشكل نهائي لا رجعة فيه. تبرز مطالب ملحة حول ضرورة توفير تعويضات مالية عادلة ومناطق سكنية بديلة متكاملة تضمن الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم لكل أسرة فقدت أرضها ومصدر رزقها الوحيد جراء التوسع التعديني السريع.
تداعيات اجتماعية على النساء والأطفال
تتجاوز خسارة الأراضي الزراعية حدود الأضرار المادية المباشرة لتلقي بظلالها الثقيلة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء الريفيات اللائي يشاركن بفاعلية في الأنشطة الزراعية وتأمين المتطلبات اليومية للعائلات المختلفة. تعاني النساء بشكل أكبر من صعوبات بالغة في الوصول إلى الخدمات الأساسية في حال فرضت عليهن عمليات التهجير القسري الانتقال إلى مناطق جديدة غير مجهزة لاستقبالهن.
يتعرض الأطفال بدورهم لمشكلات قاسية تتمثل في الانقطاع عن المدارس وفقدان البيئة الاجتماعية والطبيعية التي نشأوا فيها، مما يضاعف من حجم التحديات التي تواجه الأجيال الناشئة في تلك المناطق النائية. تغيب أصوات النساء والشرائح المتضررة بشكل ملحوظ عن دوائر صنع القرار ورسم السياسات التنموية، مما يعمق الفجوة بين الوعود الحكومية بالرخاء الاقتصادي والواقع المأساوي الذي يعيشه أصحاب الأرض الحقيقيون.







