حمدي البحيري يكتب: حلف مكة.. اختبار الصمود في شرق أوسط متغير

في مقال نشرته مجلة Foreign Affairs في 18 مايو/أيار 2026 بعنوان «نظام جديد للخليج: على المنطقة أن تبني أمنها بدلاً من شرائه»، يطرح ديفيد ب. روبرتس، الباحث في الأمن الدولي ودراسات الشرق الأوسط في كلية كينغز لندن، تصورًا يرى أن دول المنطقة مطالبة ببناء قدر أكبر من قدرتها على حماية نفسها، في الوقت الذي تعيد فيه الولايات المتحدة تعريف الطريقة التي تمارس بها دورها الأمني. ووفق هذا التصور، قد تحتفظ واشنطن بالقدرة على العودة والتدخل عندما تقتضي مصالحها ذلك، من دون أن يعني وجودها استمرار تحملها المسؤولية المباشرة واليومية عن أمن حلفائها.
من هذه الزاوية، يعكس «حلف مكة»، في أحد أبعاده الأساسية، قراءة هذه الدول لمسار السياسة الأمريكية، واحتمال انتقال المنطقة من الاعتماد الأحادي على الحماية الأمريكية إلى مرحلة تتحمل فيها القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن الردع والدفاع. فهل يمثل هذا الاتفاق إذن بديلاً عن الولايات المتحدة؟ أو هل يعتبر موجهًا ضد إيران أو إسرائيل؟ أم أنه يمثل استجابة مبكرة لشرق أوسط لم تعد دوله تبني أمنها على افتراض أن واشنطن ستتولى دائمًا الجزء الأكبر من فاتورة الردع؟
بيئة ما بعد 7 أكتوبر
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تآكلت الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين جبهات المنطقة. انتقلت الحرب من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا، ثم المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بينما تعرضت دول الخليج لاختبارات متكررة لقدرتها على حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية، في معركة لم تكن هي طرفًا فيها.
هذه البيئة غيّرت حسابات القوى الإقليمية. فالمشكلة، بقدر ما هي مرتبطة بحجم الخطر الإيراني أو الإسرائيلي، مرتبطة أيضًا بالدرجة التي تستطيع بها كل دولة أن تتوقع استجابة حلفائها الخارجيين عندما تتعرض لهجوم. قرار تدخل الولايات المتحدة يظل مرتبطًا بحساباتها السياسية والعسكرية الخاصة، بعيدًا عن حاجة حلفائها الإقليميين.
لذلك فإنه من الضروري أن تبحث القوى المحلية عن ترتيبات تمنحها قدرة أكبر على الردع والتعامل مع الأزمات. من هنا يأتي حلف مكة بوصفه محاولة لبناء طبقة أمنية إقليمية، وليس استبدال البنية الأمنية الموجودة، لتتمكن من العمل باستقلالية أكبر عندما تتغير درجة الحضور أو الالتزام الأمريكي.
من اتفاق إلى تحالف
في 31 أغسطس/آب، عقدت السعودية وتركيا وباكستان الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية المنشأة بموجب اتفاق مكة. نقل الاجتماع الاتفاق من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى البناء المؤسسي؛ فاتجهت الدول الثلاث إلى إنشاء أمانة في السعودية يرأسها أمين عام، على أن يتولى رئاستها في مرحلتها الأولى أمين عام من باكستان لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير الإنتاج والتقنيات المشتركة ورفع مستوى التنسيق بين القوات المسلحة.
جاء ذلك بعد أقل من شهر من توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب، عندما جمعت قمة مكة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ونص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، بهدف معلن هو تعزيز الردع المشترك وتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي.
تعود جذور الترتيب إلى عام سابق. ففي 17 سبتمبر/أيلول 2025، وقعت السعودية وباكستان «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك»، ونصت هي الأخرى على اعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدوانًا على الأخرى. كان ذلك الإطار الثنائي هو النواة التي أضيف إليها البعد التركي لاحقًا، فتحول التعاون الدفاعي من علاقة ثنائية ذات تاريخ طويل إلى ترتيب ثلاثي يجمع الموارد السعودية والقدرة العسكرية التركية والوزن الاستراتيجي الباكستاني.
ماذا يقول الاتفاق فعلاً؟
القيمة الأساسية للاتفاق تكمن في مبدأ الدفاع الجماعي. فالاعتداء على دولة واحدة يصبح قضية مشتركة للدول الثلاث. الصياغة المعلنة لا تجعل من الحلف نسخة مطابقة لحلف شمال الأطلسي؛ فلا توجد حتى الآن قيادة عسكرية موحدة معلنة، ولا آلية تلقائية تحدد مسبقًا نوع القوة التي ستستخدم أو حجم التدخل في حال وقوع الحرب.
وهذا التفصيل مهم، لأن الاتفاق يبني في مرحلته الحالية التزامًا سياسيًا بالردع أكثر مما ينشئ آلة عسكرية موحدة للحرب.
ويكشف توزيع القدرات بين الأطراف عن منطق الترتيب. السعودية تمنح الاتفاق الموارد الاقتصادية والطاقة والموقع الاستراتيجي والوزن السياسي العربي والإسلامي. وتركيا تضيف قوة عسكرية تقليدية كبيرة وصناعة دفاعية متقدمة وخبرة عملياتية وحضورًا جغرافيًا يمتد من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط.
أما باكستان فتمنح الترتيب قوة عسكرية كبيرة وخبرة استراتيجية وعمقًا آسيويًا، فضلاً عن كونها دولة نووية. ولكن ينبغي الحذر، فإن امتلاكها للسلاح النووي لا يعني وجود «مظلة نووية» تلقائية للدولتين الأخريين؛ بل تبقى قيمته في المرحلة الراهنة مرتبطة بالوزن الردعي والسياسي الذي يضيفه إلى الترتيب.
والأهم أن الاتفاق لا يحدد عدوًا مشتركًا بالاسم. هذه الصياغة تقلل القيود على الدول الثلاث؛ فتركيا لا تريد تحويل الاتفاق إلى جبهة صريحة ضد إيران، وباكستان حريصة على تقديمه كترتيب دفاعي، والسعودية تحاول إبقاء قنواتها مع طهران مفتوحة. لذلك يصبح عدم تسمية الخصم جزءًا من مرونة الاتفاق، لأنه يسمح ببناء الردع من دون إلزام الأعضاء منذ البداية بخوض صراع واحد.
إسرائيل
في إسرائيل، أثار الاتفاق اهتمامًا واضحًا لأنه يجمع ثلاث قوى ذات قدرات ومصالح متباينة تحت مظلة دفاعية واحدة. ويشير تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 20 أغسطس/آب إلى أن قابلية الاتفاق للتحول إلى تحالف عسكري وثيق تظل موضع شك بسبب اختلاف خرائط التهديد بين الدول الثلاث، والتنافس على القيادة السنية، وتعقيد علاقات تركيا وباكستان مع إيران.
وبالتالي، فالترتيب، وفق هذا التحليل، لا يعلن نفسه تحالفًا ضد إسرائيل، ولا تتضمن مواده المعلنة تل أبيب باعتبارها عدوًا. ومع ذلك، فإنه يخلق، من المنظور الإسرائيلي، قدرة إقليمية يمكن أن تصبح مع الوقت أكثر استقلالاً عن الحسابات الأمريكية وأكثر قدرة على موازنة إسرائيل.
كما أشار المعهد نفسه إلى أن احتمال توسع الترتيب ليشمل دولاً إضافية، مثل مصر، سيضيف إلى الترتيب وزنًا عسكريًا وجغرافيًا وسياسيًا كبيرًا، لكنه سيغير أيضًا طبيعة الحسابات الإسرائيلية تجاهه.
إيران
كانت ردة الفعل الإيرانية الرسمية أقل حدة. فقد قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إيران لا ترى سببًا للخوف من الاتفاق، وقرأته طهران بكونه تعبيرًا عن اتجاه دول المنطقة نحو الاعتماد على قدراتها الداخلية بدلاً من الاتكال على القوى الخارجية.
ومع أن هذا الاتجاه يخدم طهران إذا أدى إلى تقليص الهيمنة الأمريكية، فإنه قد يعمل ضد مصالحها إذا انتهى إلى بناء تكتل إقليمي قادر على ردعها بصورة أكثر استقلالاً. فإيران تخشى من إمكانية تطور الترتيب تدريجيًا إلى قدرة إقليمية أكثر تماسكًا، بما يؤثر على هامش الحركة الإيراني في بعض ساحات المنطقة.
الولايات المتحدة
*الولايات المتحدة







