
تأملت هذه الصورة القديمة طويلا، وضحكت من تلك المصادفات التي لا يجرؤ الخيال أحيانا على اختراعها.
الرجل الواقف في الصورة هو اليوزباشي السعيد عزيز الألفي، وتحت قدميه واحد من كلاب الشرطة التي ارتبط اسمه ببدايات تدريبها في مصر.
لم أعرف الرجل، وبالطبع لم يعرفني. يفصل بين زمنه وزمني ثلاثة أرباع قرن تقريبا. ومع ذلك، شاءت مفارقات السياسة أن يدخل هذا اليوزباشي ذات مساء إلى زنزانتي في سجن مزرعة طرة، لا بشخصه، بل بحكايته، لينقذني من تهمة جديدة وأنا بالفعل بالسجن!
أما الكلب الجالس إلى جواره في الصورة، فلم يكن يدري هو الآخر أنه سيصبح بعد خمسة وسبعين عاما تقريبا «شاهد نفي» في تحقيق رسمي بتهمة إهانة وزير الداخلية!
والحكاية بدأت أمام سجن طرة، في يوليو ٢٠٠٦…
كان عدد من شباب حزب الغد قد تجمعوا أمام السجن، طالبين زيارتي ضمن الزيارة الاستثنائية المقررة للسجناء بمناسبة 23 من يوليو.
رفضت إدارة السجن الزيارة، فانفعل الشباب، وارتفع الهتاف:
«يسقط حسني مبارك».
وحين بدأت قوات الأمن تطوقهم وتحاصرهم، خرج هتاف آخر، أكثر غضبا وسخرية:
«لم كلابك يا عدلي».
..كنت وقتها جالسا في زنزانتي. تصلني الأصوات من بعيد، بلا اتصال مباشر بما يجري خلف الأسوار، ولا أعرف حتى أسماء الواقفين عند الباب الخارجي للسجن.
انتهى النهار، وأغلقت الأبواب، وظننت أن الحكاية انتهت عند البوابة.
لكن يبدو أن بعض الهتافات تستطيع عبور أسوار السجون أسرع من أصحابها!
في المساء، وبعد موعد إغلاق السجن، فوجئت بحضور رئيس نيابة جنوب القاهرة الكلية لإجراء تحقيق معي بشأن ما حدث صباحا.
بدأ باتهامي بتحريض مواطنين على الهتاف ضد رئيس الجمهورية بعبارة:
«يسقط حسني مبارك».
كان ردي بسيطا:
…وأين الجريمة؟
كنت منافسا للرجل في انتخابات رئاسة الجمهورية قبل شهور قليلة. ومن الطبيعي أن أتمنى إسقاط منافسي . فالانتخابات، في البلاد الطبيعية، يدخلها مرشح لكي يفوز ويسقط منافسه، لا لكي يهتف ببقائه!
وبعد اتصال هاتفي أجراه، تجاوز المحقق هذه النقطة، وانتقل إلى ما بدا له اتهاما أكثر حسما و إحراجا:
وما قولك فيما نُسب إليك من إهانة وزير الداخلية والعاملين بمصلحة السجون، بالهتاف:
«لم كلابك يا عدلي»؟
…قلت:
نعم… وأين الإهانة هنا أيضا؟
بدت على الرجل الدهشة.
فقلت له إن وزارة الداخلية لديها بالفعل سلاح للكلاب البوليسية، يعود تأسيسه إلى ثلاثينيات القرن الماضي.
ثم باغتّه باسم الرجل الذي ترونه في هذه الصورة:
هل تعرف اليوزباشي السعيد عزيز الألفي؟
..توقف قليلا وقال:
..من هو؟ هل هو قريب وزير الداخلية السابق حسن الألفي؟
قلت:
اظن لا علاقة له به. هذا الرجل من مؤسسي سلاح الكلاب البوليسية في مصر.
..وهنا استدعيت إلى زنزانتي حكاية عمرها خمسة وسبعون عاما.
قلت للمحقق:-
في يوليو ١٩٣١، زار الملك فؤاد مدرسة البوليس والإدارة، وأشار إلى مديرها وقتها عزيز علي المصري باشا بإدخال نظام تدريب الكلاب البوليسية إلى المدرسة.
وعُهد عزيز المصري إلى اليوزباشي السعيد عزيز الألفي بإجراء التجارب اللازمة لبدء المشروع.
وفي العام التالي اشترت المدرسة ثلاثة كلاب، وأضاف إليها الألفي كلبا من عنده، وبدأ تدريب الأربعة.
…وهكذا قلت للمحقق إن عبارة «كلاب الداخلية» لا يتعين بالضرورة أن تكون سبا أو قذفا، فهناك بالفعل داخل وزارة الداخلية سلاح يقوم على استخدام الكلاب البوليسية.
ثم أكملت دفاعي، وربما بالغت قليلا في جديتي، بأن عام ٢٠٠٦ يصادف مرور خمسة وسبعين عاما على بداية التجربة، وأن المناسبة قد تكون ملائمة لمراجعة استخدام الحيوانات في مطاردة البشر والاعتداء عليهم، احتراما لحقوق الإنسان… وحقوق الحيوان أيضا!
فما ذنب الكلاب يا سيادة الرئيس؟!
صمت المحقق. وانتحى جانبا ليجري اتصال هاتفي اخر، ثم عاد ليلملم أوراقه منهيا التحقيق دون أن يطلب مني التوقيع على أقوالي، ولم اسمع بعد ذلك شيئا عن هذه التهمة.
وبقيت الحكاية.
وبقيت معها هذه الصورة العجيبة.
رجل لم أقابله في حياتي، توفي قبل أن تبدأ حكايتي السياسية بسنوات طويلة، لكنه حضر بعد ثلاثة أرباع قرن شاهدا للدفاع عني في تحقيق لم يشهده.
وكلب يجلس مطمئنا إلى جواره، لم يكن يعرف أنه سيصبح يوما جزءا من مرافعة سياسية وقانونية داخل سجن طرة!
في السياسة، كما في الحياة، تصنع المصادفات أحيانا ما تعجز السخرية عن اختراعه.
فقد دخل اليوزباشي السعيد عزيز الألفي التاريخ لأنه ساهم في تأسيس سلاح الكلاب البوليسية في مصر.
ودخل حكايتي، بعد خمسة وسبعين عاما، لسبب لم يخطر له قط على بال.
وهكذا أنقذني «يوزباشي الكلاب» من السجن…
وأنا في قلب السجن (!)







