مصرملفات وتقارير

مأساة الغلاء: 750 جراما لحما شهريا للمواطن.. حكاية أزمة تعصف بموائد المصريين

تراجع استهلاك اللحوم الحمراء يهدد الأسواق المحلية وسط ركود تجاري واسع واختفاء الوجبات التقليدية من موائد الأسر بسبب تضخم الأسعار المتسارع، وتتصاعد الأزمات المعيشية بشكل ملحوظ داخل المدن الكبرى بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين نحو توفير الاحتياجات الأساسية من البروتين الحيواني في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة. يعاني قطاع تجارة اللحوم من ركود غير مسبوق يعكسه تراجع معدلات البيع اليومية واستمرار موجات إغلاق المنشآت التجارية المتخصصة في هذا القطاع الحيوي. تشير البيانات المتاحة إلى تفاقم الأعباء المالية على أصحاب الأنشطة التجارية نتيجة ارتفاع المصروفات التشغيلية وثبات معدلات الطلب عند مستويات ضعيفة للغاية. تؤدي هذه الظروف المعقدة إلى اختفاء تدريجي لأنماط الاستهلاك التقليدية المعتمدة على شراء اللحوم بكميات كبيرة كالسابق لصالح الاكتفاء بحدود ضئيلة جدا لا تلبي الاحتياجات الغذائية الأساسية.

بين الرفاهية والاحتياج: 750 جراماً شهرياً تختصر قصة الفقر في مصر

تتواصل الضغوط المالية على أصحاب محال الجزارة بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل التي تشمل قيم الإيجارات الباهظة وفواتير المرافق العامة كالمياه والكهرباء بجانب موجات التضخم العام المستمرة. تعجز المحال عن رفع الأسعار بشكل متناسب مع تلك الزيادات نظرا لضعف القدرة الشرائية للمستهلكين أنفسهم مما يضع التجار أمام معادلة تجارية مستحيلة التحقيق. يضطر العاملون بالمهنة إلى تقليص حجم المعروض وتخفيض الكميات المتاحة للبيع لتتناسب مع التراجع الحاد في القوة الشرائية للمواطنين الذين باتوا يعتمدون على شراء أجزاء محدودة بالجرام. تسفر هذه الظروف عن إغلاق نحو 5 إلى 6 محال جزارة شهريا في مؤشر خطير يدل على انكماش الطلب الشعبي وعدم قدرة الأنشطة على الاستمرار اقتصاديا.

تشهد المؤشرات الإحصائية تراجعا حادا في نصيب الفرد السنوي من اللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة ليصل إلى نحو 9 كيلوجرامات فقط مقارنة بنحو 18 كيلوجراما في السابق خلال عام 2018. توضح هذه الأرقام هبوطا نسبته 50 في المائة في حجم الاستهلاك المحلي خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أربع سنوات مما يعكس اتساع الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك. تعاني الأسر من صعوبة بالغة في توفير الحصص الغذائية المناسبة للأفراد حيث لا يتجاوز النصيب الشهري للفرد معدلات منخفضة للغاية بعيدة كل البعد عن المعايير الغذائية العالمية الموصى بها. ترتبط هذه التطورات السلبية بتراجع الإنتاج المحلي وعجز المعروض عن مواكبة الزيادة المستمرة في عدد السكان وسط غياب الآليات الفعالة لضبط السوق.

ترتفع أسعار اللحوم الحمراء بصورة قياسية لتسجل متوسطات تقارب 444.4 جنيه للكيلوجرام الواحد بنهاية شهر مايو 2026 بزيادة سنوية ملحوظة تجاوزت 11 في المائة مقارنة بالفترات السابقة. تتسع الفجوة السعرية بشكل أكبر عند الرغبة في شراء القطعيات الفاخرة التي تلامس حدود 550 و560 جنيها للكيلوجرام بينما تراوحت أسعار المصنعات كالکفتة والكباب بين 200 و350 جنيها. تتزامن هذه القفزات السعرية مع استقرار الدخول الثابتة والحد الأدنى للأجور عند مستويات لا تتناسب مع معدلات التضخم الجارية مما يجعل شراء اللحوم يلتهم نسبة كبرى من الميزانية الشهرية للأسر. تفقد الشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل قدرتها تدريجيا على اقتناء هذه السلعة الرئيسية وتلجأ مجبرة إلى البحث عن بدائل غذائية أخرى أقل كلفة.

ترجع الأسباب الرئيسية لتلك الأزمة إلى عوامل هيكلية عميقة مرتبطة بتراجع قيمة العملة المحلية مما أدى إلى ارتفاع كلفة استيراد الأعلاف ومستلزمات الإنتاج الداجني والحيواني بشكل جنوني. يعاني المربون المحليون من غياب الدعم الفني والمالي الكافي لاستمرار نشاطهم مما أسفر عن تقلص الثروة الحيوانية واتساع الفجوة بين حجم الاستهلاك المحلي والإنتاج الفعلي. تتسبب هذه الاختلالات الهيكلية في استمرار أزمة نقص المعروض وارتفاع الأسعار بشكل دائم بغض النظر عن المواسم الاستهلاكية المختلفة التي كانت تشهد رواجا نسبيا في السابق. يهدد هذا الوضع باستمرار إغلاق المزيد من المحال التجارية التقليدية وتحول عمليات البيع لصالح السlaسل الكبرى والمنافذ الحكومية فقط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى