مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: باب المندب… عودة إيران إلى عصر الشاه

تطورات باب المندب ليست تفصيلًا عابرًا في المشهد اليمني، ولا مجرد أزمة إضافية في ممر بحري بالغ الحساسية. إنها مؤشر استراتيجي يستحق التوقف عنده، لأنها قد تكون جزءًا من مشهد أكبر يعكس إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل بدأت إيران، تحت وطأة المتغيرات الإقليمية، العودة تدريجيًا إلى منطق «شرطي المنطقة» الذي مارسته في عهد الشاه، ولكن بصيغة جديدة؟

المفارقة أن إيران التي أمضت عقودًا في بناء نفوذها عبر شبكة واسعة من القوى والحلفاء، من لبنان وسوريا والعراق إلى فلسطين واليمن والبحرين، قد تجد نفسها أمام خيار إعادة التموضع بدل الاستمرار في الانتشار. فالكلفة أصبحت مرتفعة، والبيئة الإقليمية تبدلت، وما كان يُعتبر في مرحلة سابقة توسعًا استراتيجيًا قد يتحول اليوم إلى عبء يحتاج إلى إدارة مختلفة.

ومن هنا يمكن قراءة فكرة الانسحاب الإيراني التدريجي من بعض ساحات الشرق الأوسط، لا باعتبارها هزيمة معلنة، بل باعتبارها إعادة تموضع تحفظ لطهران ما تستطيع الحفاظ عليه، وتغلق أبوابًا أصبحت مكلفة أو غير مضمونة النتائج.

لكن هناك استثناء يصعب تجاهله: العراق.

فالعراق بالنسبة إلى إيران ليس مجرد ساحة نفوذ يمكن التخلي عنها بسهولة، بل يمثل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا وسياسيًا حيويًا. وإذا كانت طهران قادرة على إعادة النظر في حضورها في لبنان أو سوريا أو اليمن، فإن التخلي عن العراق يبقى مسألة أكثر تعقيدًا، وربما خطًا استراتيجيًا يصعب تجاوزه.

أما باب المندب، فيفتح في المقابل سؤالًا آخر يتعلق بالسعودية.

فالموقف الأميركي، وخصوصًا مقاربة دونالد ترامب لمسألة الحوثيين والسيطرة على الممر البحري، قد يحمل رسالة قاسية إلى الرياض: ليس كل ما تعتبره دول المنطقة خطرًا وجوديًا سيكون بالضرورة أولوية أميركية. وإذا بقيت الخاصرة الجنوبية للمملكة عرضة لضغوط عسكرية وأمنية، فإن المعادلة السعودية نفسها تصبح أمام اختبار جديد.

ترامب لا يبدو راغبًا في إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التقليدية. إنه يريد توازنات جديدة، تسمح للولايات المتحدة بإمساك مفاتيح المنطقة من دون الغرق في حروبها، ويريد في الوقت نفسه تحقيق إنجازات سياسية يمكن تحويلها إلى انتصارات داخلية وخارجية.

وبينما تسعى واشنطن إلى الإمساك بخيوط اللعبة من فوق، يبدو بنيامين نتنياهو منشغلًا بلعبة مختلفة: استثمار ضعف المحيط الإقليمي إلى أقصى الحدود.

ففكرة «إسرائيل الكبرى» أو «إسرائيل العظمى» لا تعني بالضرورة إعلان حدود جديدة على الخريطة غدًا، بقدر ما تعكس تصورًا لإسرائيل بوصفها القوة الأكثر تماسكًا وقدرة في شرق أوسط تتراجع فيه الدولة المركزية، وتتفتت فيه الكيانات، وتزداد فيه الفجوات بين الجيوش والمجتمعات والسلطات.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

إيران تعيد حساباتها.

أميركا تعيد ترتيب أوراقها.

إسرائيل تحاول تثبيت تفوقها وتحويله إلى نفوذ دائم.

فيما الدول العربية تجد نفسها أمام إقليم تتغير قواعده بسرعة أكبر من قدرتها على التكيف معه.

لذلك، فإن باب المندب قد يكون أكثر من باب بحري.

قد يكون بابًا إلى شرق أوسط جديد، حيث لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تستطيع الاحتفاظ به من نفوذ، وما تستطيع التخلي عنه من دون أن تخسر موقعها.

وفي هذا الشرق الأوسط المتحرك، ربما لا يكون السؤال الأهم: من انتصر ومن هُزم؟

بل: من أدرك أولًا أن قواعد اللعبة قد تغيّرت؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى