أرامل غزة بلا مأوى: رحلة عذاب جديدة بين الموت والنزوح

تتعاظَم التحديات المعيشية القاسية التي تتحمل وزرها الأرامل الفلسطينيات في قطاع غزة نتيجة تقاطع معدلات الفقر المدقع وغياب سبل الحماية الاجتماعية، في وقت يلوح فيه شبح فقدان المأوى ليهدد عشرات العائلات المكلومة بدخول دوامة نزوح جديدة تضاعف من مأساتهم المستمرة منذ اندلاع المواجهات المسلحة في السابع من أكتوبر لعام ألفين وثلاثة وعشرين.
معاناة الأرامل الفلسطينيات في غزة تتصاعد وسط مخاطر الإخلاء القسري وانعدام المأوى
تواجه عشرات الأسر المكونة من النساء والأطفال المقيمين داخل مخيم الأيتام في شمال قطاع غزة بفلسطين خطر الطرد الحتمي والإخلاء القسري عقب توقف الجهة الممولة السابقة عن سداد قيمة إيجار قطعة الأرض المقام عليها المخيم، لتجد هذه العائلات التي فقدت منازلها ومعيليها أنفسها بلا حماية مالية قادرة على تغطية تكاليف الإيجار الباهظة في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد والصعوبة.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو اثنان وعشرون ألفا وسبعة وخمسون امرأة في قطاع غزة قد فقدن أزواجهن منذ السابع من تشرين الأول أكتوبر لعام ألفين وثلاثة وعشرين، مما أدى إلى قفزة نوعية في نسبة الأسر التي ترأسها نساء لتصل إلى نحو ثمانية عشر بالمائة خلال فترة الحرب مقارنة باثني عشر بالمائة فقط خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المذكور، وهو ما يعكس اتساع رقعة الهشاشة المجتمعية وغياب شبكات الأمان اللازمة لرعاية هذه الفئات المستضعفة.
توضح البيانات الميدانية أن مخيم الأيتام يضم عشرات النساء والأطفال الذين لجأوا إليه هربا من أتون الدمار والقتل، حيث تقطن المواطنة سهاد صالح، البالغة من العمر سنوات أم لـ خمسة أطفال والمنحدرة من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، داخل المخيم منذ تسعة أشهر كاملة بعد تسوية منزلها بالزمین وتشريد عائلتها في رحلة نزوح قاسية بحثا عن المأوى والأمان.
تفاصيل المعاناة الإنسانية ونقص الموارد الأساسية
تعاني العائلات المقيمة في المخيم من تفاقم الأزمات الصحية والمعيشية نتيجة انتشار الحشرات والقوارض المدمرة لمخزون الطعام والملابس، فضلا عن معاناة الأطفال الخمسة من سوء تغذية حاد وغياب الدعم الغذائي المستقر الذي يقتصر على مساعدات عشوائية غير مضمونة الوصول، مما يجعل حياة القاطنين جحيم لا يطاق على مدار الساعة.
تؤكد الشاهدة سهاد صالح أن التوقف المفاجئ للجهة الممولة التي كانت تتكفل بدفع الإيجار الشهري ألقى بظلاله الكثيفة على مئات الأرواح، خصوصا مع مطالبة العائلات بسداد مئتي شيكل شهريا كقيمة إيجارية تعجز النساء تماما عن توفيرها في ظل انعدام الدخل الثابت وغياب فرص العمل واستمرار الحصار المفروض على المنطقة منذ فترة طويلة.
تلفت التقارير الحقوقية والدولية الانتباه إلى أن هذه الظروف المأساوية تنتهك بصورة صارخة المادة الحادية عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تكفل حق الإنسان في مستوى معيشي كاف يضمن المسكن الملائم والغذاء والحماية من الإخلاء القسري، بينما يبقى الأطفال رهينة لصدى ذكريات مؤلمة شاهدوا خلالها مصرع ذويهم وأقاربهم أمام أعينهم، لتتكامل حلقات المأساة بين صدمات نفسية عميقة ونقص غذائي حاد ومخاطر تشرد وشيكة تستدعي تدخلا عاجلا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.







