
ارتفاع أمواج البحر في مدينة الإسكندرية المصرية وتكرارها خلال الأيام الأربع الأخيرة واستمرارها دون توقف يعد من القضايا البيئية المهمة التي تستدعي اهتمامًا كبيرًا من الجميع، وعلى رأسهم الحكومة المصرية. التاريخ يقول إنه في ٧ أبريل ٣٣٢ قبل الميلاد تم تأسيس مدينة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر، والذي ارتبط اسم المهندس الإغريقي من جزيرة رودس ديموقراطييس بأنه الذي وضع التخطيط الأول لهذه المدينة الساحلية، وقسّم أرضها الفضاء إلى طرق وميادين وأحياء، فكان لعبقريته الهندسية الفضل في اختيار الموقع ونشوء المدينة ٣٣١ قبل الميلاد.
تتعرض الإسكندرية، كونها مدينة ساحلية، لتغيرات مناخية ملحوظة تؤثر على منسوب البحر وأمواجه. ومن المعروف أن ارتفاع أمواج البحر في الإسكندرية يؤدي إلى زيادة طردية ومباشرة في احتمالية الغرق، حيث تتحول الشواطئ عند اضطراب الملاحة إلى بيئة عالية الخطورة حتى على السباحين المهرة. وتتأثر شواطئ المدينة، خاصة القطاع الغربي وشواطئ العجمي المفتوحة، بنشاط الرياح الشمالية الغربية وما يعرف بنوات الصيف مثل “ملتم أغسطس”، حيث يتراوح ارتفاع الأمواج في هذه الفترات بين مترين إلى أربعة أمتار، وأسباب ارتفاع الأمواج تعود أساسًا إلى التغير المناخي الذي يعد أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المحيطات، مما يسهم في زيادة حجم الأمواج.
أيضًا الأنشطة البشرية مثل بناء المنشآت على السواحل والتوسع العمراني، مما يتسبب في تآكل السواحل وارتفاع الأمواج.
والعنصر الثالث هو الظواهر الطبيعية مثل العواصف والأعاصير، والتي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الأمواج.
وعند دراسة معدل ارتفاع الأمواج ومنسوب الإسكندرية نجد أنه في السنوات الأخيرة تم تسجيل ارتفاع غير طبيعي في أمواج البحر يصل إلى حوالي ٢،٥ متر في بعض الأوقات، وهذا يعد ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالمعدلات الطبيعية التي لا تتجاوز عادة ١،٥ متر.
وإذا أخذنا في الاعتبار منسوب الإسكندرية التي بناها الإسكندر الأكبر واختار موقعها مقارنة بالبحر، نجد أنها تقع على ارتفاع يتراوح بين نصف إلى ٢ متر فوق مستوى سطح البحر، مما يجعلها عرضة لمخاطر الفيضانات.
وعند مراجعة أول ارتفاع للأمواج تاريخيًا نجد أنه سُجل أول ارتفاع ملحوظ للأمواج في الإسكندرية في عام ١٩٩٢، حينما واجهت المدينة عواصف قوية أدت إلى حدوث فيضانات.
ولكن التساؤل: كيف تم التعامل معه؟ وهل كان كافيًا أم أنه إجراء مؤقت في حينها لم يعالج جذر المشكلة؟
لقد تم اتخاذ إجراءات فورية مثل إغلاق بعض الشواطئ وتحسين نظام الصرف الصحي، ولكن لم يتم تنفيذ استراتيجيات طويلة الأمد لمواجهة المشكلة. وهذا الأمر يحتاج متابعة أكبر بكثير واهتمامًا زائدًا، ومهندسين على خبرة عالمية في تآكل الشواطئ، وخبراء البيئة وحماية المدن من الفيضانات.
وبالعودة إلى الدراسات العلمية والاستراتيجيات، فقد أُجريت دراسات علمية في السنوات الأخيرة من قبل مركز أبحاث البيئة البحرية التابع لوزارة البيئة في مصر، حيث تم تقييم تأثير ارتفاع الأمواج على البيئة البحرية، وتم وضع الاستراتيجية من قبل مجموعة من المهندسين البيئيين وخبراء التغير المناخي، حيث تم التركيز على إنشاء حواجز بحرية وتحسين أنظمة صرف المياه، ولكن لم يتم التوصل أو تحديد متى سيتم ذلك.
هذا وتشير التوقعات إلى أن مستويات البحر قد تستمر في الارتفاع نتيجة التغير المناخي، حيث يُتوقع أن يرتفع منسوب البحر بمعدل يتراوح بين نصف إلى واحد متر بحلول عام ٢٠٥٠ فوق الارتفاع الحالي الذي هو ٢،٥، ليتراوح بين ٣ إلى ٤ أمتار، وهنا الخطورة، وهذا يشير إلى أن الإسكندرية قد تواجه المزيد من الفيضانات والتآكل والغرق.
إن التأثيرات على الحياة البحرية من هذه الأمواج سلبية، لأن ارتفاع الأمواج يؤثر سلبًا على النظام البيئي البحري، مما يؤدي إلى تدمير المواطن الطبيعية للكائنات البحرية وتغيير توازن الحياة البحرية، كما يؤدي إلى تدهور جودة المياه، لأن زيادة الأمواج تؤدي إلى زيادة في تلوث المياه بسبب جرف المواد الملوثة إلى البحر الأبيض المتوسط.
ولدى الكثير من العامة تساؤل: هل حقيقة التخوف من غرق الإسكندرية أم لا؟
والإجابة الهندسية هي “نعم”، هناك تخوف حقيقي من غرق الإسكندرية إذا استمرت مستويات البحر في الارتفاع بنفس الوتيرة. لكن هذا يعتمد على مدى فعالية الاستراتيجيات المتبعة للتكيف مع التغيرات المناخية والحلول الهندسية التي يضعها الخبراء.
والسؤال الأهم: ما هي التأثيرات على أساسات المنشآت المقامة على كورنيش الإسكندرية الممتد إلى أكثر من ٣٠ كيلومترًا؟
إن أساسات المنشآت التي تم بناؤها على كورنيش الإسكندرية قد تتأثر بشكل كبير نتيجة الارتفاع المتزايد للأمواج، ويمكن أن تؤدي الأمواج العالية إلى تآكل الأساسات وتحفيز تصدعات في المباني، مما يزيد من مخاطر انهيارها.
وأقصد: كيف يمكن أن يساهم المهندسون والخبراء الدوليون في تطوير الحلول؟ حيث يمكن للمهندسين أن يلعبوا دورًا مهمًا في تصميم وتنفيذ هياكل مقاومة للفيضانات، مثل الحواجز البحرية والسدود، كما أن التعاون مع السلطات المحلية لوضع خطط طويلة الأمد لضمان استدامة الإسكندرية وحمايتها من المخاطر المحتملة يجب أن تكون الأولوية على طاولة البحث لدى محافظ الإسكندرية، وأن يتم الاطلاع والاستفادة من تجارب فينيسا الإيطالية، على سبيل الذكر لا الحصر، كمثال.
وقد يكون تشجيع البحث في الحلول الهندسية المستدامة في الجامعات المصرية، مثل استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحسين أنظمة الصرف وتحليل البيانات البيئية، جزءًا من المساهمة في إيجاد الحلول.
تعتبر الأوضاع الحالية في الإسكندرية دليلًا على الحاجة الملحة للتدخل الفوري. يتطلب الأمر مزيدًا من البحث والدراسات لتطوير استراتيجيات فعالة لحماية المدينة وسكانها من مخاطر ارتفاع أمواج البحر، وتشكيل لجنة من الخبراء والمهندسين المختصين من المصريين وغير المصريين لحماية “عروس البحر الأبيض المتوسط من الغرق”.







