
لم يكن ابني مجرد إنسان حارب المرض، بل كان إنسانًا حارب الحياة من أجل الحياة.
عاش سنوات طويلة وهو يواجه ظروفًا لم تكن سهلة، لكنه لم يسمح لمرضه أن يطفئ شغفه بالحياة، أو أن يسلبه حقه في أن يحلم، كان مقبلًا على الدنيا بصورة ربما لم أكن أقدّر قيمتها كاملة وهو بيننا.
كان يحلم بأن يتزوج، وأن يكون له بيت وحياة مستقلة، وأن يعيش مثل بقية الشباب. وكان لديه من العزيمة والإصرار ما يجعلني أؤمن دائمًا بأنه قادر على أن يصنع لنفسه مكانًا في هذه الحياة.
كان شخصية متفردة؛ محبًا لأصحابه، قريبًا من أهله، شغوفًا بالفن وبأشياء كثيرة، ومهتمًا بالناس من حوله، والأكثر ألمًا بالنسبة لي أنني بعد رحيله اكتشفت جوانب كثيرة من الخير الذي كان يفعله دون أن يخبرني، عرفت عن أعمال خيرية ومواقف إنسانية قام بها، وعرفت من أصدقائه وأحبائه كم كان محبوبًا بينهم، وكم ترك في نفوسهم من أثر جميل.
وقتها أدركت أنني لم أكن أعرف كل شيء عن ابني.
كنت أراه أمامي كل يوم، وأحاول أن أساعده وأن أوفر له الأمان. وكنت أحيانًا أتعمد أن أكون شديدًا معه، لا قسوةً عليه، ولكن لأنني كنت أريد أن أجعله أقوى، وأن أساعده على مواجهة الدنيا، وألا يشعر بأنه أقل من أي إنسان آخر بسبب مرضه.
كنت أحلم أن أراه يتزوج، وأن أطمئن عليه، وأن أتركه يومًا وهو قادر على أن يعيش بكرامة واستقلال، دون أن يحتاج إلى أحد.
لكن القدر كان له كلمة أخرى.
رحل ابني، وبقيت أنا أحمل في قلبي كل أحلامه التي لم تكتمل، وكل الأشياء التي كنت أتمنى أن أراها فيه، ولم يمهلنا العمر لنراها.
رحل، لكنه ترك أثرًا أكبر بكثير مما كنت أتخيل؛ تركه في أصدقائه، وفي أهله، وفي كل من عرفه، وتركه في حياتي أنا تحديدًا.
وأنا لا أستطيع أن أخفي الحقيقة: وفاته كسرتني.
ما زلت حتى اليوم أبحث عنه في تفاصيل يومي، وأتذكر صوته وكلامه وضحكته، وتعود إليّ لحظات مرضه الأخيرة كأنها حدثت بالأمس، أحاول أن أتماسك، وأعود إلى عملي وحياتي، وأقابل الناس وأمارس مسؤولياتي، لكن هناك جزءًا مني توقف عند اللحظة التي فقدته فيها.
وحشتني يا ابني… وحشتني بشكل لا تستطيع الكلمات أن تشرحه.
وحشني وجودك، وصوتك، واهتمامك، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنت أفعلها من أجلك وأظن وقتها أنها جزء عادي من الحياة.
كنت أتمنى أن أساعدك على أن تعيش الحياة التي كنت تحلم بها، لكنك تركتني قبل أن أراك تحققها.
وكل ما أستطيع أن أقوله الآن إنني فخور بك.
فخور بصمودك، وبحبك للحياة، وبقلبك الذي كان يحمل خيرًا أكثر مما كنت أعرف، وبالأثر الذي تركته في كل من عرفك.
رحلت عن عيني، لكنك لم ترحل من قلبي.
وسأظل أذكرك كما كنت دائمًا: ابني الذي حارب المرض، وأحب الحياة، وأحب الناس، وترك خلفه أثرًا لا يموت.
رحمك الله يا ابني، وجمعني بك يومًا في مكان لا فراق فيه
المصدر: موقع الحرية الإخباري





