مقالات وآراء

خالد شوكات يكتب: على أعتاب الذكرى السنوية للمرسوم 117 وحكاية الدستور الذي أكله الحمار..

قبل نحو ثلاثين عاماً من انقلاب قيس سعيّد على مسار الانتقال الديمقراطي، أي سنة 1991، وكنت حينها طالباً في بداية العشرينات، أدرس في السنة الثانية بكلية الحقوق بجامعة محمد الأول بوجدة المغربية، نشرت مقالاً في مجلة «العالم» اللندنية، التي كنت قد بدأت الكتابة فيها بشكل شهري. وكان عنوان المقال: «أزمة الدستور في العالم الإسلامي».

كان مفاد ما ذهبت إليه آنذاك أن الدستور في الدول العربية والإسلامية لم يتجاوز، في الغالب، وضعية «الحبر على الورق»، رغم مرور أكثر من مائة وخمسين عاماً على صدور أول دستور حديث في المنطقة، وهو الدستور التونسي لسنة 1861. ولذلك، فإن الشعوب كثيراً ما لا تعبأ بمدى التزام حكامها بالدستور من عدمه؛ إذ اعتادت الأنظمة الحاكمة إمّا تأويل نصوصه وتفسيرها تفسيراً معوجّاً وفق مصالحها وأمزجتها، أو تجاوزها كلياً وإلغاءها وكتابة دستور جديد.

ولم يكن قيس سعيّد، في تعامله مع دستور 2014، شاذاً تماماً عن هذا السياق، إلا من جهتين لافتتين: أولاهما أنه أستاذ جامعي لمادة القانون الدستوري، وهو ما كان يفترض أن يجعله أكثر الناس حرصاً على احترام الدستور؛ وثانيتهما أنه، بعد أن ألغى هذا الدستور بجرّة قلم، عمد إلى كتابة دستور جديد بمفرده تقريباً، وضع فيه ما شاء من تصورات وصلاحيات، انطلاقاً من هاجس استحوذ عليه، مفاده أن «الشعب» و«الرئيس» يكادان يكونان شيئاً واحداً؛ ومن ثمّ، فإن الكتابة الفردية للدستور لا تبدو، في هذا التصور، سوى صورة من صور المشاركة المباشرة للشعب في صياغته.

ولعلّ الأمر الأكثر غرابة في هذه الحالة أن الرئيس لم يكتفِ بتجاوز دستور قائم، بل بدا، في تصوره لنفسه ولعلاقته بالشعب، وكأنه يجسد فكرة «حلول الشعب في فرد»، على نحو يستدعي، من باب المفارقة، صورة «حلول اللاهوت في الناسوت» في بعض التصورات الدينية القديمة.

لكن عدم الشعور بهول ما جرى لدستور 2014 لا ينبغي أن يُنسب إلى الفاعل نفسه وحده؛ ذلك أن المسؤولية تتجاوز الرجل الذي صعد إلى سدّة الحكم واضعاً يده على المصحف الشريف داخل قبّة البرلمان، ومقسماً بالله العظيم أن يعمل على احترام الدستور. فقد تجاوز الأمر أيضاً نخباً سياسية لم تكتفِ بالصمت، بل انخرط بعضها بحماسة في مشروع الرئيس، وشاركه لاحقاً في صياغة دستور جديد، وعموم التونسيين الذين، رغم ما عُرف عنهم من إيمان قوي وتعلّق بالطقوس الدينية، لم يتوقفوا كثيراً عند استهتار حاكمهم الجديد بالدستور، ولم يروا في حنثه بقسمه على القرآن ما يشبه الجريمة الأخلاقية والدينية التي اعتادوا النظر إليها بصرامة في معاملاتهم اليومية فيما بينهم.

وقد أشار الباحث التونسي الدكتور أيمن البوغانمي إلى هذا الأمر في سياق تحليله التاريخي للشخصية التونسية، حيث يرى أن التونسيين اعتادوا، في مراحل مختلفة من تاريخهم، على قبول «التحيّل السياسي» من الحاكم باعتباره ضرباً من الذكاء والحكمة التي تستحق الإشادة أكثر مما تستحق الإدانة. وضرب مثلاً بالأميرة «عليسة»، التي تنسب إليها الأسطورة تأسيس مدينة قرطاج، إذ يُقال إنها تحيّلت على صاحب الأرض التي أُقيمت عليها المدينة الجديدة، حين طلبت منه أن يمنحها من الأرض ما يمكن أن يحيط به جلد ثور، فحوّلت الجلد إلى شرائط رفيعة استطاعت بها إحاطة مساحة أكبر بكثير من تلك التي كان الاتفاق يسمح بها.

وهذه الحيلة، بحسب قراءة البوغانمي، تتكرر رمزياً عبر نحو ثلاثة آلاف عام من تاريخ «إفريقية» أو تونس كما نعرفها اليوم، وعبر مئات الحكام الذين تعاقبوا عليها، والتقى أغلبهم، بدرجات متفاوتة، في أخذ رعيتهم بالحيلة السياسية.

ولعلّ قمة استهتار سعيّد بدستور 2014 بلغت أوجها بإصداره، في 22 سبتمبر 2021، أي بعد نحو شهرين من إجراءاته الاستثنائية في 25 يوليو، المرسوم عدد 117، الذي منح بموجبه الأوامر والمراسيم الرئاسية موقعاً يتجاوز، عملياً، القواعد الدستورية القائمة آنذاك. وبذلك جرى الدوس على أهم قاعدة يعلّمها أستاذ القانون الدستوري لطلبته في أول حصة لهم، ألا وهي مبدأ «علوية الدستور».

وهنا تبرز مفارقة سياسية وفكرية تستحق التوقف عندها: فقد بدا نظام الحكم الذي أخذ سعيّد في تأسيسه يقترب، من بعض الوجوه، من تصور يجعل إرادة الحاكم فوق القواعد القانونية والمؤسساتية، وهو ما يمكن مقارنته، من زاوية نظرية لا من حيث التطابق التاريخي أو المذهبي، ببعض جوانب النظرية السياسية المعروفة في التجربة الشيعية المعاصرة باسم «ولاية الفقيه»، حيث تتمتع إرادة الولي الفقيه، في بعض صيغ النظرية، بمكانة استثنائية في النظام السياسي والقانوني.

غير أن المفارقة الأشد إثارة للتأمل هي أن سعيّد كان يمضي في بناء هذا التصور وسط تهليل بعض غلاة العلمانيين التونسيين وتكبيرهم، في حين كان الإسلاميون من أبرز خصومه ومعارضيه.

مقتطف من كتابي الأخير «العشرية البيضاء.. رواية غير شعبوية لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس».

هذه النصوص ممنوعة على المصابين بداء الزقفنة، وهو مرض عضال لا شفاء منه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى