العالم العربي

محاكمة أحداث الساحل: خطوة نحو العدالة لا نهاية الطريق

ما شاهدته داخل قاعة المحكمة يحمل مؤشرات إيجابية، لكن تحويل المحاكمة إلى محطة لاستعادة الثقة يتطلب أحكاماً معللة، وحضوراً أوسع للضحايا، ومساءلة لا تتوقف عند المنفذين المباشرين.

من السهل النظر إلى محاكمة المتهمين بانتهاكات الساحل السوري من زاويتين متعارضتين: إما الاحتفاء بها بوصفها دليلاً مكتملاً على تحقق العدالة، أو التقليل من أهميتها باعتبارها غير كافية قياساً بحجم الانتهاكات. لكن ما شاهدته بوصفي مراقباً حضر جلسات المحاكمة يدعو إلى قراءة أكثر توازناً: نحن أمام بداية قضائية مهمة، يمكن تطويرها والبناء عليها، لكنها لم تصل بعد إلى نهاية الطريق.

بدأت المحاكمة العلنية في قصر العدل بمدينة حلب في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وشملت في بدايتها 14 متهماً من جهات مختلفة. وبعد جلسات امتدت لأشهر، بدأت المحكمة في 17 سبتمبر (أيلول) 2026 إصدار أحكامها الأولى بحق أربعة متهمين، فتراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد والسجن 20 عاماً والبراءة، مع استمرار النظر في بقية الملفات.

وهذا التنوع في النتائج مهم، لأنه يشير مبدئياً إلى أن المحكمة لم تتعامل مع المتهمين باعتبارهم كتلة واحدة، بل أصدرت أحكاماً مختلفة وفق ما انتهت إليه في كل ملف.

ما يستحق التقدير

كانت علنية الجلسات أولى الإشارات الإيجابية. فقد سُمح للمراقبين ووسائل الإعلام بمتابعة الإجراءات، وهو أمر ضروري في قضية تحظى باهتمام وطني واسع. فالعدالة لا يكفي أن تتحقق داخل قاعة مغلقة؛ بل يجب أن تكون إجراءاتها قابلة للمراقبة والفهم، مع حماية الضحايا والشهود وقرينة براءة المتهمين.

استمعت المحكمة إلى المتهمين، وأتاحت لهم عرض أقوالهم والرد على الاتهامات والاستعانة بمحامين. كما تمكن الدفاع من تقديم طلباته ومناقشة الأدلة والطعن في قيمتها.

ولم يكن ذلك مجرد حضور شكلي للمحامي، إذ استجابت المحكمة لبعض الطلبات، فأعادت التحقيق مع عدد من المتهمين ومنحت الدفاع مهلاً إضافية، وقررت إخضاع تسجيلات مصورة للخبرة الفنية للتحقق من صحتها وتاريخها.

كذلك لم تقتصر الملاحقات على طرف واحد، بل شملت عناصر من النظام السابق ومنتسبين إلى القوات الحكومية الحالية. وهذه نقطة بالغة الأهمية في بلد أنهكته العدالة الانتقائية؛ إذ ترسل رسالة مفادها أن الصفة الرسمية أو الانتماء العسكري والسياسي لا ينبغي أن يمنحا حصانة من المحاسبة.

أما تعدد الجلسات وعدم اختزال القضية في إجراءات سريعة، فقد أتاحا وقتاً أوسع لمناقشة الأدلة والدفوع. ويمكن اعتبار ذلك مؤشراً إيجابياً ما دام هدفه الوصول إلى الحقيقة وتمكين الدفاع، مع الحفاظ على حق المتهمين في محاكمة خلال مدة معقولة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد النطق بالحكم

مع ذلك، لا يُقاس نجاح المحاكمة بعلنية الجلسات أو شدة العقوبات وحدهما. الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الأحكام على الإجابة عن الأسئلة القانونية الأساسية: ما الفعل المحدد المنسوب إلى كل متهم؟ وما الأدلة التي تثبته؟ وكيف تحققت المحكمة من سلامة التسجيلات والشهادات؟ وكيف ردت على دفوع المحامين؟ ولماذا اختارت عقوبة بعينها؟

لهذا يصبح نشر الأحكام المسببة، بعد حجب المعلومات التي قد تعرض الضحايا أو الشهود للخطر، امتداداً ضرورياً لعلنية المحاكمة. فالتسبيب لا يخدم المتهم وحده، بل يحمي صدقية القضاء ويمنح الضحايا والرأي العام فرصة لفهم الأساس الذي قامت عليه الإدانة أو البراءة.

وتتضاعف أهمية ذلك في القضايا التي تنتهي بعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. فالمعايير الدولية تشترط احتراماً دقيقاً لجميع ضمانات المحاكمة العادلة في القضايا التي قد تقود إلى الإعدام، وفي مقدمها مراجعة الإدانة والعقوبة أمام جهة قضائية أعلى.

لذلك ينبغي إعلان طرق الطعن ومهلها، وتسليم الدفاع نسخاً كاملة من الأحكام ومحاضر المحاكمة، وضمان مراجعة حقيقية تشمل الوقائع والأدلة والقانون، لا مجرد تدقيق شكلي.

توضيح الاختصاص يعزز الثقة

انعقاد المحاكمة أمام محكمة عسكرية لا يعني تلقائياً افتقارها إلى العدالة، لكنه يستدعي توضيح الأساس القانوني لاختصاصها، وخصوصاً إذا كان أحد المتهمين مدنياً أو كانت صفته العسكرية وقت وقوع الأفعال محل خلاف.

يمكن للمحكمة أن تحسم جانباً مهماً من هذا النقاش إذا تضمنت أحكامها شرحاً واضحاً لما إذا كان الاختصاص قائماً على صفة المتهم، أو طبيعة الجريمة، أو الجهة التي استهدفها الفعل. كما أن توضيح ضمانات استقلال الهيئة القضائية عن المؤسستين التنفيذية والعسكرية من شأنه أن يعزز الثقة العامة بالأحكام.

وتؤكد المعايير الدولية أن ضمانات المحاكمة العادلة تسري على المحاكم العادية والعسكرية، وأن محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري ينبغي أن تظل استثنائية ومبررة بأسباب موضوعية.

العدالة لا تكتمل من دون الضحايا

كان حضور حقوق المتهمين واضحاً في الجلسات، وهو أمر إيجابي وضروري. لكن المسار يحتاج بالتوازي إلى مساحة أكثر تنظيماً للضحايا وذويهم. فالعدالة ليست مجرد نزاع بين النيابة والمتهم، بل طريق إلى معرفة الحقيقة والاعتراف بالضرر وجبره.

يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مكتب اتصال مخصص للعائلات، وتوفير المساعدة القانونية والنفسية، وإعلان آليات المشاركة والمطالبة بالتعويض، وحماية الشهود من التهديد أو الانتقام.

وهذه ليست إضافات إنسانية إلى المحاكمة، بل جزء من مفهوم العدالة نفسه. فالمبادئ الحقوقية الدولية تقر بحق ضحايا الانتهاكات الجسيمة في الوصول الفعال إلى القضاء، والحصول على المعلومات والجبر المناسب.

وفي المقابل، يجب الحفاظ على مبدأ فردية المسؤولية. فلا تكفي هوية المتهم أو انتماؤه إلى مؤسسة أو طائفة أو مجموعة لإثبات الجرم، بل يجب ربط كل شخص بفعل محدد ودليل مشروع.

كما أن صدور حكم بالبراءة لا يعني إنكار الانتهاكات، بل يعني أن مسؤولية ذلك الشخص لم تثبت وفق المعيار القانوني المطلوب. فالعدالة التي تدين بلا دليل لا تنصف الضحايا، وقد تبعد الأنظار عن المسؤول الحقيقي.

بداية ينبغي البناء عليها

محاكمة 14 متهماً لا يمكن أن تختصر أحداثاً بهذا الحجم، لكنها قد تؤسس لمسار أكثر شمولاً. وتشير المعلومات المنشورة إلى إحالة مئات المشتبه بهم إلى القضاء، فيما وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة، ورأت أن بعضها قد يرقى إلى جرائم حرب.

ينبغي لذلك أن تستمر التحقيقات لتشمل، متى توافرت الأدلة، من نفذ وخطط وحرّض وأصدر الأوامر أو تستر على الجرائم، وكذلك من امتلك سلطة فعلية ولم يتخذ التدابير القانونية الممكنة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.

وفي كل ذلك يجب تجنب التعميم والعقاب الجماعي، والتمسك بإثبات المسؤولية الفردية.

ما شاهدته داخل المحكمة يمنح أسباباً للاعتراف بوجود بداية جدية، لا لإعلان اكتمال العدالة. وإذا استُكملت هذه البداية بأحكام معللة، وحق طعن فعال، وحضور أقوى للضحايا، وتحقيقات تصل إلى مختلف مستويات المسؤولية، فقد تتحول المحاكمة من واقعة قضائية محدودة إلى خطوة حقيقية نحو استعادة ثقة السوريين بالقانون.

فالعدالة التي تحتاجها سوريا ليست عدالة المنتصر، ولا عدالة الثأر، ولا عدالة الأرقام. إنها عدالة ترى الضحية، وتحمي المتهم من الإدانة الاعتباطية، وتصل إلى المسؤول مهما كان موقعه.

عندها فقط يمكن للمحاكمة أن تصبح جزءاً من بناء السلم الأهلي، لا مجرد فصل جديد في نزاع لم يُغلق بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى