مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: لبنان على خشبة بلا ستارة

جلسة نيابية أشبه بمباراة مصارعة

كانت جلسة مجلس النواب في 15 و16 أيلول أشبه بمباراة مصارعة لبنانية طويلة: ضربات تحت الحزام، صراخ فوق المنبر، عضلات سياسية مشدودة، وجمهور إلكتروني يهتف من خلف الشاشات، لكن من دون رابح أو خاسر.

المشكلة أن لبنان لم يعد يملك حتى ترف الستارة. المسرح السياسي انكشف بالكامل، واللاعبون أنفسهم باتوا يتصرفون كمن اكتشف فجأة أن السيناريو الذي حفظوه طوال سنوات لم يعد صالحًا للعرض.

المنطقة تغيّرت ولبنان أمام مشهد جديد

فالمنطقة تغيّرت، وربما أسرع بكثير من قدرة الطبقة السياسية اللبنانية على تغيير خطابها.

المسألة لم تعد لبنانية فقط. الإقليم كله يتحرك فوق صفيح ساخن، والسعودية تتلقى الضربات على أرضها، وباب المندب وهرمز يضيّقان مساحة المناورة، فيما تبدو التسوية الإقليمية كقطار يعرف الجميع أنه يجب أن يصل، لكن لا أحد يعرف على أي محطة سيتوقف.

وفي بيروت، بدل أن نبحث عن موقع لبنان في هذا التحول الكبير، انشغلنا بمن قال ماذا أمام الكاميرا!

بين حزب الله وحركة أمل: تمايز أم توزيع أدوار؟

حزب الله لا يصوّت على الثقة بالحكومة، بل يغادر الجلسة، فيما تصوّت حركة أمل للحكومة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فهل نحن أمام تمايز داخل الثنائية الشيعية؟ أم أمام توزيع للأدوار؟ أم أن لكل طرف حساباته في مرحلة لم تعد تحتمل الحسابات القديمة؟

لا أحد يملك حتى الآن جوابًا نهائيًا، لكن المؤكد أن المشهد ليس تفصيلًا برلمانيًا عابرًا.

حزب الله يخوض المواجهة السياسية في الداخل، في وقت يواجه واقعًا ميدانيًا شديد التعقيد. وهنا تصبح كل كلمة في المجلس جزءًا من معركة أكبر من صندوق الاقتراع، وأكبر من الحكومة نفسها.

الميكروفون والكاميرا: النائب الـ129

أما المجلس النيابي، فقد بدا في بعض لحظاته وكأنه اكتشف وظيفة جديدة للميكروفون: كلما ارتفع الصوت، ظن صاحبه أنه ارتفع سياسيًا.

والكاميرا، يا سادة، هي النائب الـ129!

فالخطاب لم يعد يحتاج بالضرورة إلى مضمون. يكفي أن تكون الكاميرا مفتوحة، والميكروفون جاهزًا، والجيوش الإلكترونية في مواقعها.

صرخة هنا، اتهام هناك، جملة تصلح عنوانًا على مواقع التواصل، ثم تبدأ عملية توزيعها على الجيوش الرقمية وكأننا أمام حرب تحرير لا جلسة مناقشة ثقة.

المشكلة أن بعض النواب لم يعودوا يتحدثون إلى زملائهم في المجلس، بل إلى الكاميرا الموجودة فوق رؤوسهم.

والمضحك المبكي أن المسرح امتلأ بالمهرجين، لكن أحدًا لم يطلق نكتة.

التيار الوطني الحر والمعارضة… وعقدة الرئاسة

أما التيار الوطني الحر، فوجد نفسه في موقع المعارضة، فيما أعلن جبران باسيل نفسه عمليًا في موقع رأس المعارضة.

وهنا أيضًا تدخل الكوميديا اللبنانية من الباب العريض.

فحتى المعارضة عندنا لا تستطيع أن تهرب من عقدة الرئاسة!

كأن الرئاسة قدر سياسي لا يترك صاحبه حتى عندما يغادر السلطة أو يقف خارجها. تتحول المعارضة نفسها إلى منصة انتخابية مبكرة، وتصبح كل معركة سياسية تمرينًا على معركة أكبر لم تبدأ بعد.

إنها ملهاة يونانية، لكن الإغريق على الأقل كانوا يملكون مسرحًا محترمًا.

التفاوض مع إسرائيل: السؤال الذي لا يمكن الهروب منه

وفي وسط هذا الضجيج كله، هناك سؤال لا يمكن الهروب منه:

التفاوض مع إسرائيل.

الجلسة كرّست، بطريقة أو بأخرى، حقيقة أن الدولة اللبنانية دخلت مسار التفاوض، فيما بقيت المواقف السياسية موزعة بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، وبين من يريد للدولة أن تفاوض ومن يريد أن يحدد مسبقًا سقف ما يمكن أن تنتجه المفاوضات.

إلى أين يقود التفاوض؟

رئيس الحكومة يتمسك بمسار التفاوض، بينما يبقى السؤال الأهم بلا جواب شافٍ:

إلى أين سيقود هذا التفاوض؟

هل نحن أمام تسوية فعلية تضع حدًا للمرحلة الحالية؟ هل تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي، وترتيبات أمنية، وحصرية واضحة للسلاح بيد الدولة؟ أم أننا أمام جولة جديدة من إدارة الأزمة، بحيث يصبح التفاوض نفسه مجرد محطة إضافية في مسلسل لبناني طويل؟

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة.

نهاية مرحلة سياسية كاملة

لأن لبنان لا يعيش فقط أزمة حكومة أو أزمة مجلس أو أزمة سلاح.

لبنان يعيش نهاية مرحلة سياسية كاملة.

مع انحسار نفوذ حزب الله، يتهاوى تدريجيًا جزء أساسي من المسرح السياسي الذي عرفناه طوال عقود. لكن المشكلة أن القوى الأخرى لم تقدم حتى الآن مسرحًا بديلًا، ولا مشروعًا جديدًا، ولا حتى سيناريو مقنعًا للفصل التالي.

لبنان الحقيقي خارج القاعة

لذلك بقيت الحلبة.

حلبة يتصارع فيها الجميع، ويصرخ الجميع، ويتهم الجميع، وينتصر الجميع على شاشات هواتفهم.

أما لبنان الحقيقي، فيجلس خارج القاعة.

ينتظر نتيجة التفاوض، وينتظر نهاية الحرب، وينتظر الدولة، وينتظر اقتصادًا، وينتظر كهرباء، وينتظر شيئًا اسمه مستقبل.

لا ستارة… لا نهاية… لا بطل

وفي الداخل، يستمر العرض.

لا ستارة. لا نهاية. لا بطل.

فقط حلبة سياسية واسعة، حتى يكاد المرء ينسى السؤال الأساسي:

ماذا يفعلون بلبنان؟

تلك هي المأساة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى