مقالات وآراء

أحمد هلال يكتب : من معارضة النظام إلى صناعة اليوم التالي . ماذا يقول مؤتمر لاهاي عن مستقبل المعارضة المصرية؟

بصرف النظر عن المسمى الذي تم إطلاقه على مؤتمر لاهاي انه المؤتمر الوطني الأول رغم محدودية المشاركين الذين لا يعبرون عن اتساع مفهوم الطيف الوطني الواسع ولغة الحوار التي تميل إلى الثورية أكثر منها الأكاديمية أو البحثية او المناقشات الأكثر منهجية.
لكن
ثمة أحداث سياسية لا تكمن أهميتها في حجمها لحظة وقوعها وإنما في السؤال الذي تفتحه للمستقبل. وربما يكون مؤتمر لاهاي الذي انعقد في السادس عشر من سبتمبر 2026 واحداً من هذه الأحداث التي لا يصح التعامل معها باعتبارها مجرد تجمع جديد في فضاء المعارضة المصرية في الخارج.

فالمؤتمر قد لا يكون حتى الآن قادراً على تغيير موازين القوى ولا توجد معطيات كافية للقول إنه ولد بوصفه بديلاً سياسياً جاهزاً لأي طرف مصري. لكن دلالته الأعمق تكمن في أنه يطرح على المشهد سؤالاً مختلفاً عن الأسئلة التي اعتادت المعارضة المصرية طرحها طوال السنوات الماضية. لم يعد السؤال فقط كيف يمكن معارضة النظام القائم أو إسقاطه وإنما بدأ يظهر سؤال أكثر تعقيداً وهو ماذا سيحدث للدولة إذا تغير النظام ومن يمتلك تصوراً لما بعد التغيير؟

هذه النقلة في طبيعة السؤال تستحق التوقف. فالمعارضة السياسية يمكن أن تنجح في تشخيص أخطاء السلطة وفي فضح انتهاكاتها وفي بناء خطاب احتجاجي واسع من دون أن تكون بالضرورة قادرة على إدارة دولة. أما الانتقال من المعارضة إلى الحكم فيحتاج إلى شيء مختلف تماماً.

يحتاج إلى تصورات للجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد والقضاء والإعلام والسياسة الخارجية وإدارة سيناء وإعادة بناء المؤسسات. ويحتاج قبل ذلك إلى كوادر تعرف طبيعة الدولة وتدرك تعقيدات الانتقال السياسي وتستطيع التعامل مع الداخل والخارج في الوقت نفسه. ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر. ليس لأنه أثبت امتلاكه هذه القدرة وإنما لأنه يحاول للمرة الأولى بصورة منظمة نسبياً الدخول إلى هذه المنطقة.

الجهات المنظمة قدمت المؤتمر باعتباره مساحة لإنتاج أفكار وتصورات للمرحلة التي تلي التغيير السياسي. وقد امتد التحضير له إلى مجموعة من الملفات التي تمثل في جوهرها عصب الدولة المصرية. وهذا وحده يكشف تغيراً في لغة جزء من المعارضة في الخارج. فالخطاب الذي كان يدور غالباً حول الاحتجاج والمواجهة المباشرة العنيفة والإدانة بدأ يضيف إليه لغة المؤسسات والخبراء والسياسات العامة والعدالة الانتقالية وإدارة الدولة رغم شح مشاركة الخبراء الأكثر وزنا وكفاءة.

وقد يكون هذا التحول في بدايته وقد يفشل لاحقاً في إنتاج مشروع مستقر لكنه يظل مهماً لأنه ينقل التنافس من مساحة الخطاب السياسي إلى مساحة إنتاج البديل.

ومن الخطأ في الوقت نفسه أن يقود هذا التحول إلى استنتاجات أكبر من الأدلة المتاحة. فليس هناك ما يكفي حتى الآن للقول إن مؤتمر لاهاي يمثل مشروعاً دولياً منظماً لإحلال قيادة سياسية محددة في مصر.
كما أن وجود شخصيات حقوقية أو دولية في فعالية معارضة لا يعني تلقائياً وجود دعم حكومي غربي. هناك فرق جوهري بين المشاركة الدولية وبين الرعاية الرسمية وبين التمويل وبين الاعتراف السياسي. وكل مستوى من هذه المستويات يحتاج إلى أدلة مختلفة. وهذه التفرقة ليست تفصيلاً أكاديمياً بل شرط أساسي لفهم المشهد بعيداً عن المبالغة وعن نظرية المؤامرة.

وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين ميدان وجماعة الإخوان المسلمين. فمن السهل سياسياً اختزال المشهد في عبارتين متناقضتين. إما أن ميدان هي الإخوان في صورة جديدة وإما أنها منفصلة تماماً عن الدوائر الإسلامية. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالبنية المعلنة لميدان تقدمها باعتبارها كياناً سياسياً مستقلاً بينما توجد داخل شبكاتها شخصيات ذات خلفيات أو صلات إخوانية سابقة انفصلت عن الجماعة.
وبالتالي فإن الأدق هو الحديث عن شبكة سياسية تتقاطع فيها الخلفيات والتجارب ولا يصح تحويل التقاطع إلى تطابق تنظيمي من دون وثائق تثبته.

وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي يثيرها مؤتمر لاهاي. هل نحن أمام منافسة بين ميدان والإخوان؟ رغم تباين المقارنة في الاصل ،أم أننا أمام بداية تغير أوسع في شكل المعارضة المصرية نفسها؟ ربما يكون السؤال الثاني أكثر أهمية.

فالسنوات الماضية أظهرت أن المعارضة في الخارج ليست كتلة واحدة. هناك إسلاميون وثوريون وشخصيات مرتبطة بتجربة يناير وحقوقيون وتكنوقراط ومستقلون ومنصات إعلامية وسياسية مختلفة. وما يبدو جديداً في التجربة الحالية هو محاولة جمع بعض هذه المساحات داخل إطار يتحدث بلغة الدولة وليس بلغة الاحتجاج وحدها.

لكن بناء تحالف واسع أصعب كثيراً من تنظيم مؤتمر ناجح. فكلما اقتربت المعارضة من سؤال الحكم ظهرت الأسئلة الأصعب. ما موقع القوات المسلحة في المرحلة الانتقالية؟ وما حدود دور الأجهزة الأمنية؟ وكيف تتم العدالة الانتقالية؟ وما شكل النظام السياسي؟ وكيف تتم إدارة الاقتصاد؟ وكيف تكون العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية؟ وما موقع الإسلاميين داخل النظام السياسي؟ وهل يمكن بناء صيغة مدنية جامعة من دون إعادة إنتاج الاستقطاب القديم؟ هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من كل الشعارات التي رفعت في المؤتمر.

ومن هنا يصبح مفهوم اليوم التالي أكثر من مجرد عبارة سياسية. إنه اختبار حقيقي لقدرة المعارضة على التحول من حالة الرفض إلى حالة المسؤولية.
فمن يستطيع تقديم تصور واقعي للأيام الأولى بعد أي تحول سياسي سيكون أمامه تحد مختلف عن تحد المعارض الذي يكتفي بوصف النظام القائم. وفي الدول الكبيرة والمعقدة مثل مصر لا تكفي النوايا السياسية الحسنة.

فالدولة تمتلك مؤسسات ومصالح وشبكات اقتصادية وأمنية وإقليمية متشابكة. وأي انتقال سياسي لن يكون مجرد تغيير في رأس السلطة وإنما عملية شديدة التعقيد تتطلب إدارة دقيقة لموازين القوى وللمؤسسات وللمجتمع وللاقتصاد وللعلاقات الخارجية.

وفي هذا السياق تكتسب التحولات الإقليمية أهمية خاصة. فقد قدم ديفيد هيرست في قراءته للمشهد العربي خلال عام 2026 أطروحة تتحدث عن تحول عميق في أولويات القوى الإقليمية وعن تزايد أهمية الدولة الوطنية والسيادة والممرات الاستراتيجية. ومهما كان الاتفاق أو الاختلاف مع تفسير هيرست فإن الفكرة التي تستحق الدراسة تتعلق بتغير البيئة التي تتحرك فيها القوى السياسية العابرة للحدود.
فالإقليم يبدو أكثر حساسية تجاه أمن الدولة ووحدة أراضيها واستقرار مؤسساتها والممرات البحرية وموازين القوة. وإذا استمر هذا الاتجاه فإن جميع الحركات السياسية التي تحمل امتدادات إقليمية أو عابرة للحدود ستجد نفسها أمام بيئة مختلفة عن بيئة العقد السابق.

لكن من الضروري عدم تحويل هذه القراءة إلى نظرية شاملة تفسر كل شيء. فالسعودية ومصر وتركيا والإمارات وإسرائيل ليست كتلة واحدة ومصالحها ليست متطابقة. وقد تتقاطع في بعض الملفات وتختلف في ملفات أخرى. كما أن الحديث عن تحالفات إقليمية جديدة يجب أن يستند إلى السلوك الفعلي للدول وليس إلى قراءة واحدة للأحداث.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم مستقبل المعارضة المصرية باعتباره عملية مفتوحة لا يمكن اختزالها في مؤتمر واحد. فقد ينجح مؤتمر لاهاي في إنتاج منصة سياسية أوسع وقد يبقى مجرد فعالية محدودة وقد تتفكك التفاهمات بين المشاركين بسبب الخلاف حول الجيش أو الحكومة الانتقالية أو الإسلام السياسي أو العلاقات الخارجية.
وقد يحدث أمر آخر أكثر أهمية وهو ظهور إطار جديد يتجاوز ميدان والإخوان معاً ويضم شخصيات مدنية وتكنوقراطية وإسلامية ومستقلة. عندها لن يكون السؤال من يسيطر على ميدان وإنما من يستطيع إنتاج صيغة سياسية وطنية أكثر اتساعاً.

ولهذا فإن المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون عدد التصريحات الإعلامية ولا حجم التغطية الصحفية للمؤتمر. المؤشر الحقيقي سيكون ما إذا كانت ستظهر لجان دائمة ووثائق سياسية موحدة ومصادر تمويل معلنة وشخصيات جديدة من خارج الدوائر التقليدية وامتدادات داخل مصر واتصالات سياسية دولية موثقة. فإذا تحولت الأفكار إلى مؤسسات تغيرت دلالة المؤتمر. وإذا بقيت الأفكار في حدود المؤتمرات والخطابات فإن أثرها سيظل محدوداً.

كما أن مسألة الهدوء الإخوان المسلمين تجاه المؤتمر لا ينبغي تفسيرها باعتبارها موقفاً تنظيمياً موحداً من دون أدلة داخلية. فقد يكون ابتعاداً مقصوداً أو تحفظاً تكتيكياً أو نتيجة لعدم وجود موقف موحد. وفي كل الحالات فإن الأهم ليس الموقف العلني من المؤتمر بقدر ما هو فهم التحول الذي يمثله.

ربما يكون الخطر الأكبر على أي قراءة للمشهد هو الوقوع في أسر الأسماء. فالأسماء تتغير والكيانات تتبدل والتحالفات تنشأ ثم تنقسم. أما التحولات في قواعد العمل السياسي فهي أكثر عمقاً. وإذا كان مؤتمر لاهاي يمثل بداية تحول من معارضة النظام إلى الاستعداد لإدارة ما بعد النظام فإن هذه الفكرة قد تستمر حتى لو تغيرت أسماء القائمين عليها أو اختفت المنصة الحالية.

وهنا تكمن قيمة المؤتمر الحقيقية حتى الآن. ليس لأنه أثبت أنه البديل القادم لمصر ولا لأنه أثبت وجود مشروع دولي خلفه ولا لأنه أزاح جماعة الإخوان المسلمين من مركز المشهد. لا شيء من ذلك يمكن إثباته بالمعطيات المتاحة حتى الآن. لكن المؤتمر كشف أن جزءاً من المعارضة المصرية في الخارج بدأ يفكر بطريقة مختلفة. بدأ يسأل عن الدولة بعد التغيير وعن المؤسسات التي ستبقى وعن المؤسسات التي ستتغير وعن الكوادر التي ستدير المرحلة وعن العلاقة بين الداخل والخارج.

وهذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من المؤتمر نفسه.

فالمعارضة التي تجيد إسقاط النظام سياسياً أو إعلامياً ليست بالضرورة قادرة على إدارة الدولة بعده. أما المعارضة التي تبدأ في بناء تصور للمؤسسات والاقتصاد والأمن والقضاء والعلاقات الخارجية فهي تدخل مساحة أخرى تماماً من العمل السياسي. إنها تنتقل من سؤال الشرعية الاحتجاجية إلى سؤال الشرعية البديلة.

ولهذا فإن ما يستحق المراقبة خلال المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كان مؤتمر لاهاي سيستمر وإنما ما إذا كانت فكرة «اليوم التالي» ستتحول إلى اتجاه أوسع داخل المعارضة المصرية. فإذا حدث ذلك فقد يصبح المشهد أمام مرحلة جديدة لا يكون فيها الصراع فقط بين السلطة والمعارضة وإنما أيضاً داخل المعارضة نفسها حول من يملك القدرة على تقديم تصور مقنع للدولة المصرية المقبلة.

في النهاية لا يقدم مؤتمر لاهاي إجابة نهائية عن مستقبل المعارضة المصرية. لكنه يقدم سؤالاً جديداً ربما يكون أهم من كل الإجابات السابقة: عندما يأتي يوم التغيير إن جاء يوماً فمن سيكون مستعداً للحديث عن الدولة لا عن إسقاط النظام فقط؟ ومن يمتلك البرنامج والكوادر والمؤسسات والعلاقات التي تجعل تصوره قابلاً للحياة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً. لأنه في السياسة قد لا يكون الأكثر تأثيراً هو من يرفع صوته أعلى في لحظة الأزمة وإنما من يكون قد بدأ قبلها في التفكير في اليوم الذي يليها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى