شباك نورليبيامقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: ماذا تفعل أوكرانيا في ليبيا؟

الحروب الكبرى لا تبقى طويلًا حيث بدأت. تتمدد مصالحها قبل جيوشها، وتعبر الحدود عبر المال والسلاح والموانئ والوكلاء. والحرب الروسية الأوكرانية لم تعد استثناءً. فبعد أكثر من أربع سنوات، لم تعد خريطتها تبدأ وتنتهي عند خنادق دونباس وسواحل البحر الأسود. ظهرت ظلالها في السودان ومالي، ثم اقتربت، وفق تحقيقات وروايات متزايدة، من ليبيا والبحر المتوسط.

الجديد ليس وجود روسيا في أفريقيا. فهذا وجود ترسخ عبر فاغنر، ثم أعيد تنظيم جانب مهم منه تحت مظلة «فيلق أفريقيا». الجديد أن أوكرانيا نفسها بدأت تتعقب بعض امتدادات هذا الوجود، مستفيدة من خبرتها في المسيّرات والاستطلاع والتدريب والاستخبارات، ومن فرق صغيرة تستطيع نقل معرفة عسكرية كبيرة دون نشر جيوش.

في الثاني عشر من سبتمبر 2026 نشرت شبكة سي إن إن تحقيقًا تحدث عن متخصصين أوكرانيين في شمال مالي يساعدون قوات محلية تقاتل الروس، وعن نشاط أوكراني في السودان، فضلًا عن تدريب عناصر أفريقية على تشغيل المسيّرات.

وهنا يصبح العدد أقل أهمية من الوظيفة. فخمسة عشر خبيرًا لا يصنعون جيشًا، لكنهم يستطيعون نقل خبرة حرب كاملة إلى عشرات أو مئات المقاتلين.
السودان كان من العلامات المبكرة لهذا التحول، ومالي أصبحت صورته الأكثر وضوحًا. روسيا تمد شبكتها عبر أفريقيا، وأوكرانيا بدأت تلاحق روسيا داخل هذه الشبكة.
لكن ليبيا مختلفة.

ليبيا ليست مجرد محطة أفريقية أخرى. إنها نقطة التقاء بين أفريقيا وأوروبا والمتوسط، وبين النفط والقواعد والموانئ وطرق الإمداد.
بالنسبة إلى روسيا، يمثل الشرق والجنوب الليبيان عمقًا عسكريًا ولوجستيًا مهمًا، ليس داخل ليبيا وحدها، بل باتجاه الساحل الأفريقي أيضًا. وقد بنت موسكو علاقتها الأوثق مع القيادة العامة في الشرق، لكنها حافظت في الوقت نفسه على قنوات مع طرابلس والغرب؛ لأنها تدرك أن النفط والمال والمؤسسات السيادية والعاصمة لا يمكن التعامل معها من نصف ليبيا وحده.

روسيا تحتاج الشرق عسكريًا، لكنها لا تريد خسارة الغرب سياسيًا واقتصاديًا. ومن هنا تصبح الروايات عن وجود أوكراني في الغرب شديدة الحساسية.

خلال عام 2026 تحدثت تحقيقات دولية عن ضباط ومتخصصين أوكرانيين في ليبيا، وربط بعضها عناصر موجودة في مصراتة بنشاط يتعلق بالمسيّرات البحرية واستهداف مصالح روسية. ثم أضاف تحقيق سي إن إن في سبتمبر شهادات جديدة بشأن عمليات أوكرانية في ليبيا ومالي.
لكن هنا يجب الفصل بوضوح بين درجات الحقيقة.

المؤكد أن المواجهة الروسية الأوكرانية امتدت إلى أفريقيا، وأن الوجود الروسي العسكري في ليبيا حقيقة مستقرة منذ سنوات.
والمحتمل، والمدعوم بأكثر من تحقيق ورواية، وجود خبراء أو عناصر أوكرانيين في غرب ليبيا، وارتباط بعضهم بالتدريب أو تقنيات المسيّرات.
أما غير المثبت بصورة مستقلة حتى الآن فهو استخدام قاعدة مصراتة أو غيرها من الأراضي الليبية لإطلاق عمليات ضد السفن الروسية في المتوسط. وهذه تحديدًا هي الرواية التي نفتها حكومة الوحدة الوطنية رسميًا.

وجود خبير لا يعني وجود قاعدة. والتدريب لا يعني تنفيذ عملية. والمسيّرة لا تكشف وحدها هوية من يشغلها.

وإلى جانب المصادر المنشورة، أجريت اتصالات شخصية مع قيادات ليبية من الغرب، واستمعت إلى روايتين.
الأولى تتحدث عن خبراء أوكرانيين يعمل بعضهم في مجالات فنية مرتبطة بالنفط.

والثانية تتحدث عن خبراء ذوي طبيعة عسكرية، وتربط جانبًا من نشاطهم بتطوير قدرات المسيّرات في مصراتة والزاوية.
أنقل هذه الإفادات كما وصلتني، لا بوصفها حقائق مثبتة؛ فلم أتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة. وقد تصف الروايتان مجموعتين مختلفتين، أو يكون في كل منهما جزء من الصورة.

لكن الزاوية نفسها تستحق الانتباه؛ لأنها تجمع النفط والساحل وبيئة شهدت توسعًا في استخدام المسيّرات. وهذا لا يثبت علاقة أوكرانية، لكنه يجعل تقاطع النفط والمسيّرات والساحل مجالًا يستحق المتابعة.

النفط يقودنا إلى البحر.

العقوبات المفروضة على روسيا دفعتها إلى الاعتماد بصورة أكبر على شبكة معقدة من السفن والترتيبات التجارية التي يطلق على جانب منها «أسطول الظل».
بالنسبة إلى أوكرانيا، هذه السفن ليست مجرد تجارة؛ إنها جزء من الموارد التي تساعد موسكو على تمويل الحرب.
ولهذا فإن صحة الروايات عن نشاط أوكراني بحري مدعوم من الساحل الليبي ستعني انتقالًا مهمًا: البحر المتوسط نفسه يصبح امتدادًا غير مباشر للحرب.
وهنا تتجاوز القضية روسيا وأوكرانيا إلى تركيا ومصر والولايات المتحدة.

تركيا هي القوة الخارجية الأكثر حضورًا في البنية الأمنية لغرب ليبيا، وهي شريك دفاعي لأوكرانيا وصاحبة علاقة استراتيجية مع روسيا في الوقت نفسه. ولذلك لا مصلحة لها في أن تتحول مصراتة إلى نقطة مواجهة بين موسكو وكييف تهدد اتفاقاتها ومصالحها الليبية.

أما مصر، فالأمر يتعلق بحدودها وأمنها القومي. القاهرة لا تحتاج خط تماس روسيًا أوكرانيًا غرب حدودها، ولا عاملًا جديدًا يعقد توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، فضلًا عن مخاطر امتداد المواجهة البحرية إلى المتوسط والملاحة.

ورغم اختلاف حسابات القاهرة وأنقرة، فإن مصلحتهما تلتقي عند نتيجة واحدة: ألا تصبح ليبيا جبهة أخرى للحرب الروسية الأوكرانية.

أما واشنطن فتواجه المفارقة الأصعب.

تقليص النفوذ الروسي في ليبيا ينسجم مع مصالحها، لكن إضعاف روسيا شيء، وتحويل ليبيا إلى قاعدة لمطاردتها شيء آخر.
وهنا تكتسب مبادرة مسعد بولس أهميتها.

فالمفارقة أن الحرب الروسية الأوكرانية يمكن أن تفعل في ليبيا عكس ما تحاول المبادرة الأمريكية فعله.
الحرب تدفع إلى تدويل الانقسام، بينما يحاول بولس إعادة الصراع إلى إطار الدولة.

الحرب تمنح الشرق والغرب أسبابًا إضافية للاستقواء بالخارج، بينما تقوم المبادرة على بناء مصالح مشتركة: مؤسسات موحدة، وميزانية وطنية، ونفط مستقر، وتقارب أمني وعسكري، ثم بيئة أكثر ملاءمة للانتخابات.

لكن إذا شعر الشرق بأن الغرب يتحول إلى مساحة لخصم روسيا، فقد يزداد التصاقه بموسكو. وإذا اعتقدت قوى في الغرب أن الحضور الأوكراني يمنحها توازنًا جديدًا، فقد تتراجع دوافعها لتقديم التنازلات المطلوبة لتوحيد المؤسسة الأمنية.
عندها تصبح أدوات الردع أسبابًا لاستمرار الانقسام.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام مبادرة بولس: ليس فقط هل تستطيع جمع الشرق والغرب حول حكومة وميزانية وانتخابات، بل هل تستطيع منع ليبيا من أن تصبح الخريطة الأفريقية الجديدة للحرب الروسية الأوكرانية؟

لهذا أرى أن المبادرة تحتاج إلى مبدأ إضافي واضح: تحييد ليبيا عن المواجهة الروسية الأوكرانية بالتوازي مع معالجة كل أشكال الوجود العسكري الأجنبي، لا بعضها.

فلا معنى لمنع استخدام مصراتة ضد روسيا مع اعتبار الاستخدام العسكري الروسي لمواقع الشرق والجنوب أمرًا دائمًا. كما لا معنى لرفض الوجود الروسي واستبداله بوجود عسكري مضاد له.

المطلوب مسار متدرج يمنع استخدام الأراضي والموانئ والمياه الليبية في عمليات ضد دول أخرى، ويربط توحيد المؤسسة العسكرية بخفض الاعتماد على الخارج، ويحمي النفط من الدخول في حروب العقوبات والمسيّرات.
وهنا تستطيع مصر أن تساعد في الشرق، وتركيا في الغرب، بينما تجمع واشنطن المسارين بالتكامل مع الأمم المتحدة.

بهذا المعنى، قد يكون الملف الأوكراني إنذارًا مبكرًا لمبادرة بولس أكثر منه عقبة أمامها.
فهو يكشف ما يحدث حين يتأخر توحيد الدولة، ويبقى كل فراغ قابلًا لأن تملأه قوة أجنبية جديدة.

وإذا كانت روسيا قد دخلت من فراغ الدولة في الشرق، وأمكن لأوكرانيا أن تدخل، إن صحت الروايات، من فراغ آخر في الغرب، فالمشكلة الأصلية ليست في جنسية القادم، بل في الباب المفتوح.

وهذا هو الباب الذي ينبغي أن تغلقه المبادرة.

فالحرب التي بدأت على ضفاف البحر الأسود قطعت آلاف الكيلومترات حتى صحارى أفريقيا. وإذا كانت تقترب اليوم من الشاطئ الليبي، فالتحدي ليس اختيار موقع أفضل داخلها، بل منعها من العثور على جبهة جديدة هناك.
ليبيا لا تحتاج علمًا أجنبيًا جديدًا يوازن علمًا أجنبيًا قديمًا، ولا حربًا جديدة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى