مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: لا للفتنة.. نريد الحقيقة: ماذا حدث للأستاذ محمود عثمان قبل وفاته؟

قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].

أمر الله بالعدل حتى مع من نخاصمهم، ونهى عن القول بغير علم. فلا يبيح الغضب ظلم إنسان، ولا يحوّل تكرار رواية غير موثقة إلى حقيقة. والتثبت والعدل صمام أمان للمجتمع؛ بهما يطمئن الناس إلى أن الحقوق محفوظة، وأن أحدًا لن يُدان لمجرد شائعة أو خصومة أو اختلاف في الدين.

وبهذا الميزان وحده يجب أن يكون الحديث عن وفاة الأستاذ محمود سيد عثمان، رحمه الله.

دفنّا الأستاذ محمود، لكن الأسئلة عما جرى قبل وفاته ما زالت تنتظر الإجابة. ولا يصح أن تُطوى الأسئلة المتعلقة بما سبق وفاته دون إجابات واضحة، خاصة مع ما تردد عن واقعة داخل المدرسة قبل الوفاة.

هناك من يصف ما جرى بأنه مشادة كلامية، وهناك روايات تتحدث عن حضور أفراد من أسرة إحدى الطالبات، وعن مشادة أو مواجهة داخل المدرسة وتدخل من الموجودين. وهذه كلها روايات تحتاج إلى فحص، ولا يكفي انتشار إحداها للجزم بصحتها.

بدايةً، لا يجوز اتهام أحد بقتله دون دليل. وفي الوقت نفسه، من حق أسرته أن تعرف ما جرى، ومن واجب كل من لديه معلومات أن يقدمها إلى جهة التحقيق.

المتداول حتى الآن أن الوفاة جاءت إثر هبوط حاد في الدورة الدموية. لكن يبقى السؤال المهم: ماذا حدث قبل ذلك؟

هل اقتصر الأمر على مشادة كلامية؟ هل وقع تدافع أو اعتداء؟ ماذا شاهد الموجودون بأعينهم؟ وماذا سمعوا بأنفسهم؟ وإذا صح حضور أفراد من الأسرة، فكيف جرى دخولهم، وماذا حدث أثناء وجودهم، وكيف تعاملت إدارة المدرسة مع الموقف؟

والسؤال الأهم: هل كانت لما حدث أي علاقة بالوفاة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالعاطفة ولا بالشائعات، وإنما بفحص طبي وتحقيق يستند إلى الشهادات والأدلة وتسلسل الوقائع. فلا يصح إثبات العلاقة بالحزن على الأستاذ محمود، كما لا يصح نفيها لمجرد الرغبة في تهدئة الناس.

ولهذا يجب سماع من كانوا موجودين، ومراجعة تسلسل الأحداث، وحفظ أي تسجيلات ذات صلة إن وُجدت، ثم إعلان ما يمكن إعلانه من نتائج التحقيق، مع مراعاة خصوصية الأطراف وسلامة الإجراءات القانونية.

أما تحويل القضية إلى صراع بين المسلمين والمسيحيين فهو مدخل للفتنة، ولا ينصف محمود، ولا يحمي أحدًا، ولا يقربنا خطوة واحدة من الحقيقة.

من ثبت عليه خطأ يُحاسب على فعله، ولا تُحمّل المسؤولية لأهل دينه أو أسرته أو طائفته. وفي المقابل، لا يجوز التغاضي عن تجاوز ثبت وقوعه بدعوى تجنب الحساسية الدينية. العدل لا يعرف هذا التفريق.

وليَتَّقِ اللهَ كل من يكتب أو ينقل أو يعلّق. فقد تتحول كلمة غير محسوبة إلى اتهام يلاحق بريئًا، أو إلى تحريض يصيب أناسًا لا علاقة لهم بالواقعة.

قال رسول الله ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق» — رواه البخاري.

وإعادة نشر الاتهام مسؤولية أيضًا؛ فلا يعفي الإنسان من تبعته أنه نقله عن غيره.

لكن التحذير من الفتنة لا يعني إسكات الشهود، ولا يعني منع المطالبة بالتحقيق. فقول الحقيقة بأمانة يعين على العدل، وكتمانها قد يضيّع حقًا أو يحمي مخطئًا.

ومن كانوا داخل المدرسة تقع عليهم مسؤولية كبيرة.

من رأى شيئًا فليذكره كما رآه. ومن سمع كلامًا بنفسه فليذكر ما سمعه. ومن عرف بالواقعة من غيره فليوضح ذلك صراحة، ولا يقدم رواية منقولة كأنه كان شاهدًا عليها.

والشهادة حق للعدالة، وليست مادةً للسجال على مواقع التواصل.

والشاهد مسؤول أمام الله عن صدقه؛ فلا يزيد محاباةً لأحد، ولا ينقص خوفًا من أحد.

وحتى لو انتهى التحقيق إلى عدم وجود علاقة بين الواقعة والوفاة، فإن أي اعتداء أو إهانة يثبت وقوعهما يظلان أمرين يستحقان المحاسبة. فعدم ثبوت التسبب في الوفاة لا يعني تجاهل تجاوزات أخرى إن ثبتت بالأدلة.

وهناك أيضًا ما يجب مراجعته داخل المدرسة.

من حق ولي الأمر أن يشكو، ومن حق الطالب أن تُبحث شكواه، ومن حق المعلم أن تُسمع إفادته وأن يؤدي عمله دون تهديد أو إهانة. ولهذا توجد إدارة وإجراءات تنظم الشكوى وتمنع تحول الخلاف إلى مواجهة.

ودخول ولي الأمر إلى المدرسة ليس في ذاته مخالفة. السؤال هو: هل اتُّبعت الإجراءات؟ وماذا حدث أثناء وجوده؟ وهل جرى التعامل مع الموقف بما يحمي المعلم والطالب وسائر الموجودين؟

هذه أسئلة لا تخص واقعة الأستاذ محمود وحدها، بل تهم كل أسرة وكل معلم وكل مدرسة.

فما يُطلب من حماية لمحمود يجب أن يتوفر لمينا ومريم وفاطمة. لا فرق في حق أي منهم في الأمان والكرامة، ولا مصلحة لأحد في أن يخشى المعلم على نفسه داخل مدرسته أو تقلق الأسرة على أبنائها فيها.

ومن يطالب بالحقيقة عليه أن يقبل ما تثبته الأدلة، حتى لو خالف ما سمعه أو توقعه. فإذا لم يثبت اتهام، فلا يجوز تكراره كأنه حقيقة. وإذا ثبت خطأ، فلا يجوز التهوين منه أو تبريره.

رحم الله الأستاذ محمود سيد عثمان، وغفر له، وألهم أسرته وأحبابه الصبر، وحفظ أهل ديروط من الفتنة والظلم.

المطلوب ببساطة أن يأخذ التحقيق مجراه كاملًا، وأن يقدم الشهود ما يعرفونه، وأن تتضح ملابسات الوفاة وما سبقها، وأن تكون الكلمة الأخيرة للدليل لا للشائعة.

فالحقيقة لا تصنع فتنة؛ الذي يصنع الفتنة هو الكذب أو الظلم أو تحويل الشائعة إلى حكم.

لا للفتنة، ولا لكتمان الحقيقة.

والعدل الذي أمر الله به بين الناس يقتضي ألا يضيع حق محمود، وألا يُظلم بسببه أحد.

إسلام الغمري

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى