
في الجزء الأول كتبت أن الكومبارس يبقى كومبارس حتى لو وقف على مسرح أوروبي. واليوم يأتي السؤال الأهم إذا كان الممثل فاشلاً والجمهور غير موجود، فلماذا يُقام العرض أصلاً؟
ومن الذي يقطع تذاكر مسرحية لا يشاهدها أحد؟
في السياسة لا شيء يحدث بالصدفة، وكل مسرح حتى لو كان فارغاً، له منتج يدفع الإيجار.
أولا البحث عن شرعية مستوردة أخطر ما في مؤتمر لاهاي ليس ضعف الحضور، بل وهم الشرعية التي يحاولون استيرادها.
المنطق الذي يفكرون به بسيط وساذج إذا اجتمعنا في أوروبا، وتحت لافتة في هولندا، بلد المحاكم الدولية وقصر السلام، فسنبدو مهمين.
الصورة أمام علم أوروبي، وقاعة مستأجرة في لاهاي، وبيان مكتوب بالإنجليزية، كلها محاولة لتعويض غياب الشرعية الشعبية بشرعية جغرافية.
كأنهم يقولون للمصري في الداخل انظر، نحن في أوروبا، إذن نحن معترف بنا والحقيقة عكس ذلك تماماً الشرعية لا تستورد من مطار سخيبول، الشرعية تخرج من شارع في شبرا، من مصنع في المحلة، من حقل في المنصورة .
من يقبل أن تكون لاهاي مصدر شرعيته، فقد اعترف بنفسه أنه لا يملك أي شرعية في القاهرة.
ثانياً بيزنس المعارضة.. المؤتمر كـ سبوبة لماذا يصر البعض على عقد مؤتمر كل ستة أشهر في عاصمة أوروبية مختلفة؟
مرة في واشنطن، ومرة في لندن، واليوم في لاهاي، وغداً في برلين؟
لأن المؤتمر في حد ذاته أصبح هو الهدف هناك دوائر تمويل معروفة تبحث عن أي كيان يتحدث باسم “المعارضة المصرية” لتقدم له منحة، وهناك منصات إعلامية تبحث عن أي ضيف يقول “إسقاط النظام” ليملأ بها ساعة بث، وهناك طموحات شخصية تبحث عن لقب “رئيس المؤتمر الوطني” ليضعه في سيرته الذاتية.
هذه هي الدائرة منحة صغيرة، قاعة مستأجرة، صور، بيان، لقاء على قناة يوتيوب، ثم تقرير يرسل للجهة الممولة بعنوان “نجحنا في حشد المعارضة” والحقيقة أنه لم يحشد أحد، ولم يسمع أحد، ولم يتغير شيء، إلا رصيد المنظم.
المعارضة تحولت عند هؤلاء من رسالة إلى وظيفة، ومن تضحية إلى تذكرة سفر وإقامة فندقية.
ثالثاً لاهاي لا تمنح صكوك الغفران السياسية فاختيار لاهاي ليس بريئاً هذه المدينة التي تحتضن محكمة العدل الدولية، يريدون أن يستعيروا من هيبتها كأن الوقوف في مدينة العدالة يطهر التاريخ، ويمنح صك غفران سياسي وكأن مجرد عقد مؤتمر في بلد يحترم القانون، يجعلك أنت نفسك رجل قانون ودولة.
لكن لاهاي مدينة ذكية، لا تنخدع بهذه الألاعيب هي تعرف الفرق بين من يأتي إليها باحثاً عن العدالة، ومن يأتي إليها باحثاً عن قاعة رخيصة وصورة.
هولندا تسمح للجميع بالكلام، هذه هي ديمقراطيتها لكن سماحها لك بالكلام لا يعني أنها تصدقك تسمح لك أن تؤجر المسرح، لكنها لا تضمن لك أن يأتي الجمهور.
رابعاً الجمهور الحقيقي يقول كلمة أخرى لو نزل منظمو مؤتمر لاهاي إلى سوق في أمستردام وسألوا أي مصري مغترب يعمل بجد ليعيل أسرته هل تعرف فلان أو علان من مؤتمر لاهاي؟
ستكون الإجابة لا والف لا من هؤلاء انا شخصيا اعمل في الاعلام والسياسه منذ ربع قرن لا اعرفهم ممثل درجه ثانيه وعجوزه تتحدث العربيه مثل الخواجه بيچو وواحد عنده تمديد اقامه قريبا وملفه ضعيف وواحد متزوج صهيونيه اسرائيليه وغيرهم كثيرون ممن ليس لديهم اي تاريخ في خدمه الوطن .
المصري في الخارج ليس ساذجاً هو ترك بلده بحثاً عن حياة كريمة، لا ليستبدل نظاماً لا يعجبه بوهم يقوده أشخاص لا يعرفهم.
هو يريد معارضة حقيقية تقدم حلولاً لمشاكل التعليم والصحة والاقتصاد، لا معارضة تقدم بيانات إنشائية عن “إسقاط” كل شيء دون أن تقول ماذا ستفعل بعد الإسقاط بساعة واحدة.
الفجوة بين خطاب لاهاي وهموم المصري الحقيقية، هي نفس الفجوة التي أسقطت كل مؤتمرات الفنادق من قبل.
الناس تريد من يتحدث عن رغيف الخبز، وهم يتحدثون عن تقاسم الكعكة.
الختام.. الستارة التي لا تريد أن تسقط فالمشكلة أن هؤلاء الكومبارس لا يتعلمون بعد كل مؤتمر فاشل، يعودون ليعلنوا عن مؤتمر جديد، بنفس الوجوه، بنفس الخطاب، بنفس الفشل، ويتوقعون نتيجة مختلفة.
مؤتمر لاهاي لم يكن مؤتمراً وطنياً، كان بروفة فاشلة لمسرحية لم يكتب لها أن تعرض.
الوطن باقٍ، يعرف أبناءه الحقيقيين، من يدفعون الثمن في الداخل، لا من يقطعون التذاكر في الخارج.
سيبقى الكومبارس يبحث عن مسرح جديد، من لاهاي إلى غيرها، وسيبقى المسرح فارغاً، لأن الجمهور الوحيد الذي يهم.. هو الشعب، والشعب لم يحجز تذكرة لهذه المسرحيه ولن يحجز .





