عبد المنعم إمام: حكومة مدبولي «رحلت من ضمير الشعب» ومصر تحتاج حكومة سياسية لا «حكومة موظفين»

قال النائب عبد المنعم إمام إن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، من وجهة نظره، فقدت ثقة قطاع من المصريين بسبب عدم تنفيذ العديد من الوعود التي أعلنتها خلال السنوات الماضية، معتبرًا أنها «رحلت في ضمير الشعب المصري»، حتى وإن استمرت رسميًا في أداء مهامها.
وأوضح إمام، خلال حديثه عن الجدل بشأن بقاء حكومة مدبولي أو رحيلها، أن تقييم الحكومات لا يرتبط فقط بموعد خروجها رسميًا من السلطة، وإنما بمدى استمرار ثقة المواطنين فيها وقدرتها على الوفاء بما تعلنه من سياسات وتعهدات.
واستخدم إمام مثالًا تاريخيًا لتوضيح فكرته، قائلًا إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر توفي عام 1970، لكنه اعتبر أن هزيمة يونيو 1967 مثلت سياسيًا لحظة فارقة في تجربته، مستشهدًا بذلك للتأكيد على أن «المسألة ليست مسألة الوقت الذي ستمشي فيه الحكومة»، وفق تعبيره.
وأضاف أن حكومة مدبولي فقدت الثقة، بحسب تقييمه، لأن «كثيرًا جدًا مما وعدت به لم تنفذه»، مشيرًا إلى وعود سابقة تتعلق بالاكتفاء الذاتي من الغاز وحل عدد من الأزمات الاقتصادية والسكنية، ومن بينها تطمينات مرتبطة بعدم طرد المواطنين من مساكنهم.
وأكد إمام أن انتقاداته لا تستهدف شخص رئيس الوزراء بقدر ما تتعلق بطبيعة الحكومة ونمط تشكيلها، مشددًا على أن مصر، من وجهة نظره، تحتاج إلى «حكومة سياسية» وليس مجرد حكومة تعتمد على التكنوقراط.
وقال إن التكنوقراط يمتلكون دورًا مهمًا داخل الجهاز التنفيذي والإداري للدولة، لكن إدارة الحكومة تحتاج، بحسب رؤيته، إلى وزراء يمتلكون خبرة سياسية وقدرة على الاشتباك مع المجتمع وفهم اتجاهاته وأفكاره ومشكلاته.
«مصر تحتاج حكومة سياسية لا حكومة موظفين»
ووصف إمام الحكومات المتعاقبة منذ عام 2014 بأنها حكومات تكنوقراط أو «حكومات موظفين»، موضحًا أنه لا يستخدم التعبير باعتباره انتقاصًا شخصيًا من الوزراء، وإنما لوصف مسار مهني يبدأ داخل الجهاز الإداري للدولة وينتهي بتولي حقيبة وزارية، دون المرور بالضرورة بتجربة سياسية أو حزبية.
وقال إن الوزير السياسي، وفق رؤيته، يجب أن يكون قد تعامل مع المواطنين في الشارع، وشارك في ندوات ومناظرات ونقاشات عامة، واحتك بالأفكار والتيارات المختلفة، بدلًا من أن يصل إلى المنصب الوزاري باعتباره مجرد امتداد لمساره الإداري أو الفني.
وأشار إلى أن مصر اتخذت، في تقديره، مسارًا عكسيًا مقارنة بما يحدث في تجارب سياسية أخرى، موضحًا أن المرحلة التي أعقبت 30 يونيو شهدت تشكيل حكومة ضمت شخصيات ذات خلفيات سياسية متنوعة في وقت كانت فيه البلاد تمر بأزمة، بينما جرى الاتجاه بعد ذلك، مع استقرار الأوضاع نسبيًا، إلى حكومات يغلب عليها الطابع التكنوقراطي.
وأكد إمام أن وجود التكنوقراط في الدولة ليس مشكلة في حد ذاته، لكن المشكلة تبدأ عندما يجري التعامل مع السياسة باعتبارها أمرًا ثانويًا، قائلًا إن «السياسة هي أصل كل شيء».
إمام: أزمة مصر سياسية قبل أن تكون اقتصادية
ورفض إمام اختزال مشكلات مصر في الجانب الاقتصادي، معتبرًا أن الأزمة الأساسية، من وجهة نظره، سياسية قبل أن تكون اقتصادية.
وقال إن السياسة هي التي تصنع التوجه الاقتصادي، وإن غياب ما وصفه بـ«البوصلة السياسية» ومركز التوجيه السياسي والحزب الذي يصنع السياسات وينتج حكومة تخضع للمحاسبة السياسية ينعكس في النهاية على أداء الاقتصاد وبقية قطاعات الدولة.
وأضاف أن الحكومة في النظام السياسي الفعال يجب أن تخضع لرقابة حقيقية من البرلمان وأن تحسب حسابًا لمواقف النواب والقوى السياسية، متسائلًا عن مدى تأثير مجلس النواب الحالي في السياسات الحكومية.
وعندما طُرح عليه سؤال بشأن أداء البرلمان، قال إمام إنه يفضل تقييم دوره الشخصي كنائب من خلال قدرته على التعبير عن المواطنين الذين يمثلهم، ثم مدى قدرته على تحويل مطالبهم إلى إجراءات ونتائج فعلية.
«ما زلنا في حالة إغاثة وليس صناعة سياسات»
وقال إمام إن جزءًا كبيرًا من العمل النيابي والسياسي الحالي يتحرك، بحسب وصفه، في إطار «الإغاثة» وليس في إطار صناعة سياسات إصلاحية مستدامة.
وضرب أمثلة بملفات التأمينات والمعاشات والمدارس والإيجار القديم، موضحًا أن التعامل معها غالبًا ما يبدأ بعد ظهور الأزمة، عبر البحث عن حلول عاجلة، بدلًا من بناء سياسات طويلة المدى تمنع الأزمة من الأساس.
وأضاف أن الدولة، من وجهة نظره، تجيد إعداد المؤتمرات وإعلان الاستراتيجيات والوثائق، لكن المشكلة تظهر في معدلات التنفيذ الفعلي.
واستشهد بوثيقة سياسة ملكية الدولة، قائلًا إن فترة تنفيذها أوشكت على الانتهاء بينما لم يُنفذ منها، وفق تقديره، سوى نحو 15%، قبل الانتقال إلى وثائق وسياسات أخرى.
كما أشار إلى ملف الإصلاح الإداري، وقال إنه يتحدث منذ نحو ست أو سبع سنوات عن خطط دمج عشرات الهيئات الحكومية وتقليص عددها، مشيرًا إلى حديث سابق عن دمج 59 هيئة لتصبح 16 هيئة، لكنه قال إن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
واعتبر أن المشكلة ليست في القدرة على إعداد الخطط أو الإعلان عنها، وإنما في استمرارية تنفيذها ووجود جهة أو سياسة واضحة تكمل العمل بعد تغير المسؤولين.
التعليم نموذجًا لغياب استمرارية السياسات
واعتبر إمام وزارة التربية والتعليم أحد أبرز الأمثلة على المشكلة التي يتحدث عنها، مشيرًا إلى تعاقب ثلاثة وزراء هم طارق شوقي ورضا حجازي ومحمد عبد اللطيف، في ظل استمرار مصطفى مدبولي رئيسًا لمجلس الوزراء.
وقال إن كل وزير تبنى توجهًا مختلفًا عن سابقه رغم استمرار رئيس الحكومة نفسه، معتبرًا أن تغيير السياسات مع تغير الوزير يؤدي في كثير من الأحيان إلى البدء من جديد بدلًا من البناء على ما سبق.
وعن تقييمه لأداء وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، قال إمام إنه يرى أن الوزير «يحاول أن يبذل مجهودًا»، لكنه اعتبر أن المشكلات الأساسية في التعليم أكبر بكثير من الإجراءات الحالية.
وتؤكد البيانات الحكومية استمرار محمد عبد اللطيف وزيرًا للتربية والتعليم ضمن حكومة مدبولي، فيما تقول الحكومة إن الفترة الأخيرة شهدت إجراءات لزيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس ومعالجة مشكلة الكثافات، من بينها إعادة توظيف عشرات الآلاف من الفراغات داخل المدارس وتحويلها أو إعادة تشغيلها لخدمة العملية التعليمية. (الهيئة الوطنية للانتخابات)
جدل حول حل أزمة كثافة الفصول
واعترض إمام على الحديث عن حل أزمة كثافات الفصول، قائلًا إن زيادة الطاقة الاستيعابية لم تعتمد بالكامل على إنشاء فصول جديدة، وإنما جرى جزء منها من خلال تشغيل المدارس على فترتين والاستفادة من الفراغات الموجودة داخل المنشآت التعليمية.
وقال إن الحديث عن إضافة نحو 100 ألف فصل لا يعني، وفق تقييمه، إنشاء هذا العدد فعليًا من الفصول الجديدة، مقدرًا عدد الفصول التي أضيفت فعليًا بنحو 30 ألف فصل، بينما جاءت بقية الزيادة من إعادة تنظيم وتشغيل المساحات الموجودة.
وفي المقابل، تقول وزارة التربية والتعليم إن خفض الكثافات جاء من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية بنحو 20%، بما شمل إعادة توظيف أكثر من 45 ألف فراغ داخل المدارس وتحويلها إلى فصول دراسية، إلى جانب إعادة تشغيل نحو 53 ألف فراغ آخر. كما تشير بيانات منشورة عن مشروعات الأبنية التعليمية إلى تسليم 791 مشروعًا تضم 13 ألفًا و912 فصلًا منذ يوليو 2024 وحتى مطلع 2026، مع استمرار تنفيذ مشروعات أخرى. (مصراوي.كوم)
إمام يحذر من أزمة 850 مدرسة بسبب الإيجار القديم
وتطرق إمام إلى ملف المدارس المقامة في عقارات خاضعة لنظام الإيجار القديم، محذرًا من أزمة قد تظهر في مارس 2027، بحسب ما ذكره.
وقال إن هناك نحو 850 مدرسة، يقع عدد كبير منها في مناطق مركزية ومزدحمة، ستتأثر بالقواعد القانونية المتعلقة بإيجارات الأماكن المستخدمة من الجهات الحكومية، بما قد يستلزم إخلاءها وتسليمها إلى أصحاب العقارات.
وأضاف أن كثيرًا من هذه المدارس يعاني بالفعل من كثافات مرتفعة، وبعضها يعمل بنظام الفترتين، معتبرًا أن خروجها من الخدمة دون توفير بدائل كافية يمكن أن يعيد أزمة كثافة الفصول بقوة.
وانتقد عدم وضوح ما ستفعله الحكومة، بحسب قوله، لمواجهة هذا الملف، متسائلًا عما إذا كانت هناك خطة لتوفير مدارس بديلة أو اتجاه إلى تمديد الفترة القانونية أو اتخاذ إجراء آخر.
وأكد إمام أن هذا العدد من المدارس وحده، إذا خرج من الخدمة دون بدائل، يمكن أن يغير بصورة كبيرة الصورة المعلنة بشأن حل مشكلة الكثافات المدرسية.
ويأتي حديث إمام في وقت تقول فيه الحكومة إن ملف التعليم شهد خلال الفترة الأخيرة خطوات لخفض الكثافات وزيادة الحضور المدرسي والتوسع في الأبنية التعليمية، فيما يعكس طرح النائب رؤية مغايرة بشأن مدى استدامة هذه الإجراءات وقدرتها على معالجة المشكلات الهيكلية للقطاع. (الهيئة الوطنية للانتخابات)
وشدد إمام في مجمل حديثه على أن القضية، بالنسبة إليه، تتجاوز تغيير رئيس الوزراء أو استبدال عدد من الوزراء، معتبرًا أن المطلوب هو تغيير فلسفة تشكيل الحكومة نفسها والانتقال إلى حكومة ذات طبيعة سياسية، تمتلك برنامجًا واضحًا وتخضع للمساءلة البرلمانية والسياسية، بدلًا من إدارة الملفات بمنطق الاستجابة للأزمات بعد وقوعها.







