مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: المحيط الملتهب وتصفية الحسابات..هل تسقط ليبيا في آتون المواجهة بين الشرق والغرب؟

تقف البشرية اليوم على صفيح استراتيجي شديد السخونة، وترتفع نبرة التحشيد العسكري من شرق العالم إلى غربه في مشهد يعيد إلى الأذهان أعتى أزمات التاريخ الحديث. تتسارع المؤشرات الدولية نحو اضطراب شامل؛ حيث تعلن إيران رفع جاهزيتها وقدراتها التعبئوية إلى عشرات الملايين في ظل تسريبات عن تحركات دولية تهدف لإسقاط النظام في طهران، في حين يقترب النزاع الإستراتيجي بين روسيا وحلف شمال الأطلسي من نقطة الصدام المباشر. تتجلى هذه المواجهة في تحذيرات الكرملين الشديدة من أن أي انتشار لقوات أوروبية في أوكرانيا يعيد تعريف الصراع كحرب مباشرة مع أوروبا، متزامناً مع تحذيرات رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من تهديدات وشيكة بالصواريخ والمسيرات على أراضي الجناح الشرقي للناتو، واجتماعات أمنية رفيعة المستوى في باريس يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون لبحث خطط التعامل مع خطر حرب وشيكة.
تكتمل صورة التوتر العالي بتداعيات الجغرافيا السياسية المتشابكة، بدءاً من رفع أنقرة لدرجة الاستعداد عبر نشر قوات خاصة وبناء ملاجئ احترازية على حدودها الغربية، وصولاً إلى إعلانات إسلام آباد المتكررة عن وجودها الميداني الاستراتيجي للوقوف إلى جانب الرياض، إلى جانب توسيع التحالفات الغربية عبر انضمام كندا إلى ترتيبات الدفاع والأمن مع حلفائها الأوروبيين كبريطانيا والنرويج. وعلى صعيد متصل، تعكس خريطة التهديدات الشرقية توتراً مستمراً في مضيق تايوان مع رصد القوات التايوانية لاختراقات جوية وبحرية صينية متكررة لخط الوسط ومنطقة تحديد الدفاع الجوي، وهو ما ينسجم مع تقارير الأمم المتحدة للمخاطر العالمية التي أدرجت خطر نشوب حرب واسعة النطاق ضمن أبرز المخاطر السياسية والأمنية الداهمة التي تهدد السلم الدولي.
في قلب هذا الغليان العالمي، تجد ليبيا نفسها رغماً عنها متأثرة بهذه التجاذبات الدولية، إذ تشكل بواقعها الجغرافي البوابة الشمالية لإفريقيا والمشرفة المباشرة على الحوض الجنوبي للبحر المتوسط. يمثل الشرق والجنوب الليبي امتداداً لوجستياً وحيوياً للوجود الروسي وشبكات إمداده الإفريقية، وهو ما يتلقاه حلف شمال الأطلسي كتهديد استراتيجي متزايد للجناح الجنوبي للحلف. وفي هذا السياق، تطرح الأنباء والانفجارات المتواترة، كالانفجار الذي سُمِع صداه مؤخراً في بنغازي بالتزامن مع التقارير الاستخباراتية والميدانية حول التحركات العسكرية ورسو السفن اللوجستية في طبرق، علامات استفهام كبرى حول طبيعة ما يجري خلف الكواليس. إن هذه الأحداث، إن صحت تقييماتها الميدانية، تعكس رسائل ردع متبادلة وتؤكد أن الساحة الليبية باتت بالفعل مرشحة لتكون راداراً لمراقبة وتعديل موازين القوى الدولية.
ومع ذلك، فإن القراءة الاستراتيجية لواقع الصراع تشير إلى أن ليبيا قد لا تكون بالضرورة نقطة الانطلاق لحرب عالمية مباشرة، لكنها ترشح وبقوة لتكون ميدان اشتباك وتخادم محكوم تُصفّى فيه الحسابات بين القوى العظمى عبر عمليات خاطفة أو تحركات استخباراتية وعسكرية غير مباشرة. إن الخطر الحقيقي الذي يواجه البلاد لا يكمن فقط في التهديدات الخارجية، بل في حالة الانقسام الداخلي والهشاشة المؤسسية التي تجعل الدولة مكشوفة أمام أي تجاذبات أجنبية. ولتفادي هذه المخاطر، يتعين على المجتمع الليبي بجميع أطيافه إدراك أن حجم الصراع الحالي يفوق القدرات المحلية، وأن خفض التصعيد الداخلي والتمسك بالحياد الاستراتيجي هما السبيل الوحيد لمنع استخدام البلاد كأداة في صراع دولي لا يد لليبيين فيه.
إن إدارة المخاطر القادمة تتطلب خططاً عقلانية وعاجلة، تتوزع بين تحصين الأمن الغذائي والتمويني لمواجهة أي اضطراب محتمل في سلاسل الإمداد العالمية، وبين الوصول إلى حد أدنى من التنسيق الأمني بين مختلف المناطق لحماية الحدود والموانئ والمرافق الحيوية. إن بناء هذا التوافق الوطني الأدنى لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وجودية لمنع تحويل الأراضي الليبية إلى قاعدة انطلاق لأعمال عسكرية خارجية. تضع هذه التطورات متخذي القرار والمجتمع الليبي أمام خيار حتمي لا يقبل التأجيل، وهو إما الإسراع في لملمة الشتات الداخلي واستعادة السيادة الوطنية، أو البقاء في دائرة التجاذبات الدولية التي قد تجعل من الوطن خط جبهة أمامي في مواجهة كبرى تصعب السيطرة على تداعياتها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى