حين تتبخر القوة الشرائية: 100 جنيه 2010 تساوي 10 اليوم.. أين تذهب بقية أموالك؟

تكشف عالية المهدي عوار السياسات المفروضة لتجمد أزمة تضخم الأسعار في مفاصل الاقتصاد المحلي دون الالتفات الى الانتاج الحقيقي او تشغيل العمالة وتوفير قاعدة ادخار مستدامة تضمن للمواطن حياته اليومية بصورة كريمة بعيدا عن لغة الأرقام الصماء التي تسوقها الدوائر الدولية باعتبارها إنجازا ورقيا بينما الواقع المعيشي يشهد نزيفا حقيقيا يلتهم القدرة الشرائية لشرائح عريضة تعاني بصمت طحن المعيشة المستمرة بلا هوادة أو تعويض حقيقي يكفل توازنا عادلا.
تتسبب موجة تضخم الأسعار العارمة في محاصرة موازنات الأسر وسط اهتمام مؤسسات التمويل الكبرى بهندسة الموازنة العامة وتسيير عجلة السياسة النقدية وفق قوالب جاهزة تهمل تماما بنية الانتاج والقيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد وتكتفي بتقديم صكوك رضا وهمية عن نجاح منقوص لا يستشعر أثره البسيط الذي يواجه بمفرده جحيم الارتفاعات الجنونية في متطلبات الحياة الأساسية دون سند حقيقي ينقذ القدرة الشرائية المتدهورة بمرور السنوات المتتالية في الأسواق المحلية المضطربة وسط تجاهل كامل لأي معالجة جذرية.
تضخم الأسعار يبتلع مدخرات المواطنين وسط عجز برامج التمويل الدولية
ترصد المتابعات الميدانية انطلاق موجة تضخم الأسعار منذ سنة 2017 لتأكل بوحشية جانبا هائلا من مدخرات ودخول الطبقات المختلفة وتظهر المفارقة الصادمة في تراجع قوة الورقة النقدية فئة المئة جنيه المحفوظة من سنة 2010 لتستقر عند قيمة فعلية لا تتجاوز 10 جنيهات و70 قرشا في الوقت الحالي وهو ما يؤكد الهبوط المدمر الذي أصاب العملة المحلية وسط تآكل تام لكل شبكات الأمان المالي الفردي المتاحة.
تسجل لغة الأرقام هبوطا كارثيا في قيمة الجنيه بلغت نسبته 87 بالمئة متزامنة مع قفزة جنونية في الأسعار لامست نسبة 670 بالمئة خلال ذات الفجوة الزمنية الضيقة ما يعكس اتساع الفجوة الهائلة بين الدخول الثابتة وتسعير السلع والخدمات الضرورية التي تفوق طاقة الاحتمال البشري لمحدودي الدخل والطبقات المتوسطة المنهكة تحت وطأة التكاليف المتصاعدة بلا توقف أو زيادة عادلة في الأجور تحمي القدرة الشرائية من الانهيار التام المرصود رقميا وسط تضخم الأسعار المتصاعد.
شبح الفقر واتساع رقعة المعاناة
تتحمل الفئات البسيطة والمتوسطة ثقل الضربات الموجعة لثبات مداخيلها أو عجزها التاريخي عن ملاحقة موجات الغلاء المتعاقبة حيث يتسبب تصاعد معدل تضخم الأسعار بصورة مباشرة في تعميق أزمة الفقر وتوسع دائرة المحرومين من أبسط مقومات العيش الآدمي وسط بيئة اقتصادية تعاني من اختلالات هيكلية عميقة في توجيه الموارد ودعم الانتاج الحقيقي الفعال الذي يمثل الدرع الواقي الحقيقي لاحتواء الصدمات المعيشية المتكررة بكل وضوح وقسوة بالغة.
تستند التحليلات المعيارية الى إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021 التي وثقت نسبة فقراء بلغت 33.5 بالمئة مع ترجيحات قاطعة بتضخم هذه النسبة بصورة بالغة الخطورة جراء الصدمات الحادة التي ضربت الاقتصاد بين سنة 2022 وسنة 2024 متجاوزة تداعيات الأوبئة العالمية والنزاعات الجيوسياسية الطاحنة التي أربكت سلاسل اللوجستيات ودفعت تكاليف الإنتاج والاستيراد نحو مستويات قياسية ضاعفت قسوة المعاناة على الطبقات العاملة والكادحة.
تتراوح مستويات الضغط التضخمي بين 28 بالمئة و30 بالمئة طوال سنة 2022 لتكشف عن استمرار ثبات جذور الأزمة وضغطها القاسي على الشرائح الضعيفة رغم الانخفاض النسبي المسجل مؤخرا ليصل المعدل الى 14.6 بالمئة وهو تراجع شكلي لا يغير من قسوة الواقع شيئا مع ديمومة صعود السلع واكتواء الصدور بغلاء المعيشة اليومي واستمرار حالة العجز المزمن عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة البسيطة دون مديونيات أو أعباء إضافية.
تفرض المعطيات الراهنة ضرورة مراجعة جذرية لفلسفة البرامج التمويلية عبر نقل بوصلة الاهتمام نحو قطاعات التشغيل الحقيقي ودعم القيمة المضافة وإحياء طاقات الادخار والإنتاج بدلا من الاكتفاء بالمسكنات النقدية التي تفاقم الأعباء الاجتماعية وتترك الأسواق رهينة لارتفاعات متتالية تهدم الاستقرار المعيشي وتقلص فرص النمو المستدام طويل الأجل للطبقات العاملة والكادحة وتفتح باب التساؤلات الكبرى حول جدوى المسارات الاقتصادية التقليدية المعتمدة مصرفيا.
تدلل المؤشرات المرصودة على أن غياب الإصلاح الحقيقي لهيكل الانتاج يولد تركيما للتوترات الاجتماعية والطبقية ويستدعي تحركا وطنيا شاملا يعيد الاعتبار لوزن العملة الشرائي ويحصن الفئات الهشة ضد صدمات الأسعار العنيفة عبر سياسات تحفيزية تنعش المصانع وتدعم الزراعة وترفع كفاءة سوق العمل المحلي لتجاوز هذا المنعطف الخطير وسط قواعد رقابة حاسمة تضبط الأسواق وتحمي المستهلك من جشع الحلقات الوسيطة.
تختتم الرؤية التحليلية بالتأكيد على أن تقليص الفجوة بين الدخل والتكلفة يتطلب قرارات جريئة تنهي سياسة الاكتفاء بالمؤشرات المصرفية الضيقة وتطلق طاقات الإنتاج والتشغيل الفعلي لتوفير شبكة حماية حقيقية تمنع انزلاق المزيد من المواطنين نحو مناطق العوز والهشاشة الاقتصادية المعقدة في ظل ظروف عالمية ومحلية بالغة التعقيد والضغط المستمر الذي يتطلب شجاعة استثنائية في تبني البدائل التنموية الحقيقية الفعالة.



