
في أوقات الأزمات قد يغرق الإنسان في التفاصيل، ثم في تفاصيل التفاصيل، يتركز الاهتمام على الفوز الهامشي هنا وهناك: قرية استُعيدت، ناقلة مرّت، خط أنابيب توقّف يوماً ثم عاد، وتغيب الرؤية الكلية الشاملة، بل إن التعامل مع التفاصيل قد يحقق أهدافاً في معارك جديدة تُغيّر الصورة قصداً وتعمّدا، ليست كل جبهة امتداداً للحرب الأولى. بعضها يُفتتح كي لا تُرى الحرب الأولى أصلاً، وبعضها يُفتتح كي تُنزع من دولة مركزيتها دون أن تُعلن الحرب عليها.
هذا حال العالم اليوم، وهو حال مصر على نحو أخصّ.
حرب أمريكا وإيران بدأت بهدف
إسقاط نظامها في أچندة اسرائيلية واضحه: كسر قدرة ايران وذيولها في تهديد؟ ثم انزلق السؤال إلى مضيق هرمز، فساحل اليمن، فخط النفط السعودي، فأسعار البنزين في ولاية أمريكية تنتخب بعد أشهر.
كل انتقال يبدو منطقياً في لحظته، ومجموع الانتقالات يُخرج الصراع من دائرة الحسم إلى دائرة الاستنزاف المُدار، ويُخرج قناة السويس—من غير إعلان—من موقع الشريان الذي لا بديل له إلى موقع الممرّ الذي يُدار من بوابته الجنوبية لا من ضفتيه.
قناة السويس ليست مجرد رسوم عبور. هي أحد أعمدة الدخل السيادي، وأداة تجعل موقع مصر في خريطة التجارة أكبر من ناتجها، مركزيتها لم تكن حجراً وجغرافياً فقط. كانت مركزية لأن المدخل الجنوبي—باب المندب والبحر الأحمر—كان يُفترض آمناً بما يكفي كي تصعد السفن شمالاً نحو المتوسط.
إذا صار مدخل البحر منطقة نار، تآكلت الفرضية، السفينة التي تخشى باب المندب لا تناقش رسوم الهيئة. هي تبحث عن رأس الرجاء أو عن طريق لا يمرّ بمصر.
هذا فقدان المركزية بصيغته الحديثة: لا احتلال للقناة، ولا إغلاق رسمي لضفتيها، بل تجفيف لقيمتها من الجنوب، من يملك مفتاح باب المندب يملك أن يحوّل القناة من شريان إلى عنق زجاجة اختياري.
وإلى جوار البحر تهديد المياه من الجنوب، النيل ليس بنداً فنياً مؤجلاً، هو شرط الاجتماع المصري، من يغرق في عدد الناقلات عبر هرمز ينسى أن دولة المصب تواجه إعادة هندسة لنهرها من الهضبة الإثيوبية، في إقليم يتداخل فيه السلاح بالمناخ بالتمويل الأجنبي.
بين البحر والنيل يقف السودان: الحلقة الواصلة لا الهامش، اضطراب السودان لا يُقرأ كأزمة جار فقط، هو انكشاف للعمق الذي يربط أمن باب المندب بأمن المنابع، إذا تفتت السودان، تفتت قدرة مصر على أن تدير جنوبها كوحدة واحدة: ساحل وممر نهري وحدود وعمق سكاني. الفراغ هناك لا يبقى فارغاً، تملأه مليشيا أو نفوذ بعيد أو مساومة على ماء وميناء معاً.
مصلحة مصر ثلاث طبقات. وقائية: ألا تتحوّل إلى ممرّ لتكلفة حرب لم تصنعها؛ فكل انحراف لخط الملاحة يخصم من القناة ومن حساب الثقة. جيوسياسية: البحر الأحمر بحيرة أمن قومي قبل أن يكون مسرح وكلاء، والوجود في الجنوب—مع السودان والقرن—دفاع عن بوابة القناة قبل أن تُغلق بالأمر الواقع. وحضارية: الدور ليس خطاب محورية يُكرَّر بعد نقص العبور، بل سياسة تربط أمن المدخل البحري بأمن النيل وببقاء السودان دولة لا ممراً للفوضى.
معركة السرد تعمل هنا كما في حرب واشنطن وطهران. إن اقتصر الإطار على «هرمز» بدت مصر خارج الصورة، وإن اتسع إلى «أمن الممرات والطاقة والمياه» عادت إلى وسط المعادلة: دولة يُقرَّر في جوارها إن كان البحر الأحمر ممراً دولياً أم فخّاً، وإن كان النيل نهراً مشتركاً أم سلاح منبَع.
الحوثيون ليسوا حاشية. هم أداة تحويل الإطار البحري. ترامب الذي فاوض الطالبان لأنه استنتج استحالة الحسم يقف أمام جبهة قد لا تُغلق. وإدارة النزيف في باب المندب معناها أن القناة تدفع يومياً بينما يتفاوض الكبار على مائدة قد لا تجلس عليها القاهرة.
أسئلة لا تفاصيل.
من يملك مفتاح باب المندب بعد عام، وهل يبقى للقناة معنى إن بقي المفتاح في يد غير صاحبه؟ كم من التجارة ستصعد إلى السويس إذا صار الجنوب منطقة تأمين لا عبور؟ وهل تقبل مصر أن يُدار نهرها من الهضبة في الوقت الذي يُدار بحرها من الضفة اليمنية، بينما يتآكل السودان بينهما؟
الدور ليس إعلان انحياز في حرب لم تُختر. الدور أن تمنع القاهرة تحويلها إلى ضحية صامتة لتفاصيل تُدار في عواصم أخرى. أن تُذكّر العالم بأن من أراد استقرار الطاقة شتاءً واستقرار التجارة صيفاً لا يترك مدخل البحر لميليشيا، ولا المنابع لمساومة بلا سقف، ولا السودان فجوة تبتلع الاثنين.
النظام الدولي لا يتعدّد بقدر ما يتفتّت. التفتّت تكاثر جبهات صغيرة تُنهك المركز وتُنزع بها المركزيات بهدوء: مركزية السويس من باب المندب، وأمن الشرب من الهضبة، والعمق من الخرطوم. الرؤية الشاملة شرط نجاة. من غرق في التفاصيل ربح معركةً وخسر حرباً.
والخاتمة ستُكتب عند مدخل البحر الأحمر وعند منابع النيل وفي سودانٍ إما أن يبقى جسراً وإما أن يصير ثغرة. هل تبقى مصر دولة القرار في جوارها الجنوبي، أم تتلقّى نتائج قرارات اتُّخذت جنوب قناتها وجنوب نهرها بينما كانت تتابع تفاصيل لا تخصّها… إلى أن أصبحت تخصّها كلها دفعةً واحدة؟







