العالم العربيترجمات

لوموند : إيران تراهن على بحر قزوين لمواجهة حصار هرمز وتحويل مسارات التجارة نحو روسيا

تتجه إيران بصورة متزايدة إلى بحر قزوين وموانئها الشمالية لمواجهة تداعيات الحصار البحري الذي يعطل موانئها على الخليج، مستفيدة من موقع البحر المغلق الذي يوفر لها منفذًا تجاريًا مهمًا نحو روسيا، في وقت تشهد فيه المنطقة توسعًا متسارعًا في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وأظهرت بيانات لشركة تحليل حركة الملاحة «Windward» ارتفاع حركة ناقلات النفط وسفن الشحن الروسية قبالة السواحل الإيرانية بنحو 13% خلال الأشهر الستة التي أعقبت 28 فبراير 2026، تاريخ بدء الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، إذ ارتفع عدد السفن إلى 235 سفينة مقابل 208 سفن خلال الفترة المماثلة السابقة.

وفي الاتجاه المقابل، ارتفع عدد السفن الإيرانية الموجودة في المياه الروسية بنحو 7%، من 142 إلى 152 سفينة خلال الفترة نفسها، في مؤشر على تنامي أهمية الطريق التجاري عبر بحر قزوين.

وقال المسؤول الإيراني عن التجارة محمد رضا طلائي إن بلاده تعمل على «إعادة توجيه التدفقات من المحيط الهندي نحو الطرق التي تمر عبر روسيا وبحر قزوين»، مشيرًا إلى أن أكثر من 30% من واردات إيران باتت تمر عبر الموانئ الشمالية.

قزوين يتحول إلى شريان تجاري لإيران

ولا يقتصر النشاط عبر بحر قزوين على واردات مثل القمح وزيت عباد الشمس وأعلاف الحيوانات، إذ تحدثت تقارير غربية خلال أغسطس وسبتمبر عن استخدام المسار أيضًا في نقل مكونات ومعدات ذات استخدامات عسكرية بين روسيا وإيران.

وأفاد تحقيق نشرته شبكة «NBC» في 18 أغسطس بأن روسيا أرسلت إلى إيران عبر بحر قزوين مكونات لطائرات مسيرة ومواد متفجرة لتعزيز ترسانتها العسكرية.

كما تحدثت صحيفة «فايننشال تايمز»، استنادًا إلى مراسلات روسية مسربة، عن تعاون روسي مع إيران لتطوير صواريخ كروز متقدمة أسرع من الصوت، ووصفت ذلك بأنه من أبرز عمليات نقل التكنولوجيا العسكرية الاستراتيجية المعروفة بين موسكو وطهران.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان قد وقعا في 17 يناير 2025 اتفاقًا لتعزيز التعاون بين البلدين، بما في ذلك المجال الدفاعي.

ويرى غلين إي. هوارد، رئيس مؤسسة «ساراتوغا» الأمريكية، أن اتجاه التعاون العسكري بين موسكو وطهران شهد تغيرًا، إذ كانت إيران لفترة طويلة تقدم دعمًا عسكريًا لروسيا، بينما ازدادت أهمية الدعم الروسي لإيران خلال الفترة الأخيرة.

وفي أغسطس 2025، أعلنت أوكرانيا إغراق سفينة قالت إنها كانت تنقل من إيران مكونات مخصصة لطائرات «شاهد» المسيرة التي تستخدمها موسكو، وذلك في ميناء أوليا الروسي المطل على بحر قزوين.

«الممر الأوسط» يعزز أهمية بحر قزوين

وتتزامن التحركات الإيرانية مع صعود أهمية طريق تجاري جديد يعرف باسم «الممر الأوسط»، يربط آسيا بأوروبا عبر بحر قزوين وجنوب القوقاز دون المرور بالأراضي الروسية.

وارتفعت حركة البضائع عبر هذا الممر من 1.5 مليون طن إلى نحو 6 ملايين طن خلال أربع سنوات فقط، إلا أن حجمها لا يزال أقل بما يتراوح بين 30 و40 مرة من حجم التجارة التي تمر عبر المسار الروسي التقليدي.

وتتجنب شركات وعملاء غربيون تمرير بضائعهم عبر إيران بسبب العقوبات المفروضة عليها، ومخاوف تتعلق بالإجراءات الجمركية والمخاطر المالية والسمعة، وهو ما يجعل مسارات بحر قزوين التي تتجاوز إيران ذات أهمية خاصة للتجارة بين آسيا وأوروبا.

استثمارات ضخمة في موانئ قزوين

وتشهد الموانئ المحيطة ببحر قزوين استثمارات متزايدة لاستيعاب النمو المتوقع في التجارة.

ففي كازاخستان، ارتفعت حركة الحاويات في ميناء أكتاو بنسبة 121% خلال عام 2025، فيما أعلنت المؤسسة الأوروبية لإعادة الإعمار والتنمية في سبتمبر من العام نفسه تمويل تحديث الميناء بنحو 35 مليون يورو.

وفي ميناء كوريك الكازاخستاني، أعلنت مجموعة «AD Ports Group» الإماراتية في يناير 2025 خططًا للاستثمار في إنشاء محطة للحبوب.

وفي الوقت نفسه، تتزايد الروابط التجارية بين دول آسيا الوسطى ومنطقة جنوب القوقاز، مع تحركات من أوزبكستان وكازاخستان للاستثمار في إنشاء محطات داخل مينائي بوتي وأناكلِيا الجورجيين على البحر الأسود.

وفي أذربيجان، افتتح ميناء باكو خلال عام 2026 رصيفه السابع، بينما سجل ميناء آلات، الواقع على بعد عشرات الكيلومترات جنوب العاصمة، نموًا في حركة الشحن بنسبة 20% خلال عام واحد.

طريق بديل لنقل النفط بعيدًا عن روسيا

وأصبحت منطقة بحر قزوين أكثر أهمية أيضًا لنقل النفط والغاز، خصوصًا مع البحث عن بدائل لخط أنابيب «CPC» الذي ينقل النفط من حقول كازاخستان إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، والذي تعرض لهجمات أوكرانية.

وباتت بعض شحنات النفط تُنقل بحرًا إلى باكو، ومنها بالقطارات إلى باتومي على الساحل الجورجي للبحر الأسود.

ويقول الباحث باكو خيلادزه إن هذا الطريق يكلف نحو ضعفين ونصف ضعف تكلفة المسار التقليدي، كما أن قدرته الاستيعابية أقل بكثير، لكنه يمثل «طريقًا احتياطيًا ثمينًا».

ومن المتوقع أن يستخدم «الممر الأوسط» مستقبلًا كذلك في نقل المعادن الحيوية من آسيا الوسطى إلى أوروبا، خصوصًا من كازاخستان التي تعد أكبر منتج لليورانيوم في العالم.

وبذلك أصبحت منطقة بحر قزوين ذات أهمية استراتيجية متزايدة لعدة أطراف؛ فهي توفر لإيران منفذًا نحو روسيا، وفي الوقت نفسه تمنح دول آسيا الوسطى طريقًا لتصدير النفط والمعادن الحيوية إلى الأسواق الدولية دون الاعتماد الكامل على الأراضي الروسية.

قزوين لا يستطيع تعويض موانئ إيران الجنوبية

ورغم توسع الاعتماد الإيراني على الموانئ الشمالية، يرى متخصصون في الخدمات اللوجستية أن بحر قزوين لا يستطيع أن يحل بالكامل محل الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج.

وقال المستشار الإيراني في مجال الخدمات اللوجستية حسين نوروز فاشخامي، المقيم في بندر أنزلي، إن اضطرابات هرمز أعادت الأهمية إلى الموانئ الإيرانية على بحر قزوين، خصوصًا مع ارتباطها الجيد بشبكة السكك الحديدية الإيرانية، لكنها لا تستطيع تعويض موانئ الساحل الجنوبي.

وتتمثل إحدى أبرز العقبات في الانخفاض السريع لمستوى مياه بحر قزوين، والذي يصل إلى نحو 30 سنتيمترًا سنويًا منذ عام 2020، ما يهدد بعض الموانئ بفقدان قدرتها على استقبال السفن خلال السنوات المقبلة.

ويحتاج تطوير حركة الملاحة في المنطقة كذلك إلى تحسين البنية التحتية للموانئ، وتوفير أسطول من السفن الملائمة للمياه الضحلة، إلى جانب إنشاء خطوط بحرية منتظمة.

وفي هذا السياق، وقعت مجموعة «AD Ports Group» في سبتمبر 2025 عقدًا مع حوض بناء السفن في باكو لإنشاء سفينتي حاويات منخفضتي الغاطس، صُممتا خصيصًا للعمل في المياه الضحلة لبحر قزوين.

ورغم أن تنامي دور بحر قزوين يفتح أمام إيران ودول آسيا الوسطى مسارات تجارية واستراتيجية جديدة، تظل روسيا لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، إذ يشير خبراء إلى أن السدود الروسية المقامة على نهر الفولغا تمنح موسكو تأثيرًا مهمًا في تدفقات المياه التي تغذي بحر قزوين، في وقت تتحول فيه هذه المنطقة المغلقة تدريجيًا إلى واحدة من أهم ساحات التنافس على طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

المصدر لوموند

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى