العالم العربي

وزير الري المصري: أمن مصر المائي «قضية وجودية» وما حدث في 2011 لن يتكرر

أكد وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم أن أمن مصر المائي يمثل «قضية وجودية»، مشددًا على أن الدولة تتابع تطورات ملف مياه النيل على مدار الساعة، وتعرف «متى وكيف يكون رد الفعل المناسب» لحماية مصالحها، وأن ما حدث في عام 2011 لن يُسمح بتكراره.

وقال سويلم، في تصريحات صحفية، إن مصر دولة سلام، لكنها في الوقت نفسه دولة قوية، وتحتفظ بكافة الإجراءات والتدابير التي يكفلها القانون الدولي لحماية أمنها المائي وحقوق ومصالح شعبها، مؤكدًا أن جميع الخيارات التي تعتبرها القاهرة مشروعة تظل مفتوحة أمام الدولة.

وأضاف أن ضبط النفس المصري على مدار السنوات الماضية جاء في إطار الحرص على الوصول إلى حل تفاوضي يحفظ حقوق جميع الأطراف، وليس قبولًا بالأمر الواقع أو تنازلًا عن الحقوق، معتبرًا أن من الخطأ تفسير الصبر المصري باعتباره سماحًا لأي طرف بالتحكم المنفرد في مياه النيل.

سويلم يرد على حديث «نصيب الأسد»

ورد وزير الري على الادعاءات الإثيوبية بشأن حصول مصر على «نصيب الأسد» من مياه حوض النيل، قائلًا إن حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل نحو 2.7% فقط مقارنة بحجم يقترب من ألفي مليار متر مكعب من الأمطار التي تسقط على حوض النيل.

وتساءل سويلم: «أين نصيب الأسد الذي يقال إن مصر تحصل عليه؟»، مشيرًا إلى أن مصر دولة شديدة الجفاف وتعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل، في حين تمتلك إثيوبيا، وفق الأرقام التي عرضها، موارد متنوعة من الأمطار والمياه السطحية والجوفية والمياه الخضراء.

وقال إن إثيوبيا تلقت خلال عام 2023 أكثر من ألف مليار متر مكعب من الأمطار، منها نحو 467 مليار متر مكعب على الجزء الإثيوبي الواقع داخل حوض النيل، فيما تقدر مواردها المائية المتجددة بنحو 122 مليار متر مكعب سنويًا.

وأضاف أن تقديرات مستندة إلى دراسات إثيوبية تشير إلى تراوح إعادة شحن المياه الجوفية في إثيوبيا بين 51 و81 مليار متر مكعب سنويًا، موضحًا أن هذه المياه تتجدد مع الأمطار، على خلاف المياه الجوفية العميقة التي تعتمد عليها مصر والتي تمثل موردًا غير متجدد.

الزراعة والمياه في إثيوبيا

وأشار سويلم إلى أن إثيوبيا تمتلك أكثر من 18 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، مقابل نحو 4.03 مليون هكتار في مصر، وأن مساحات واسعة من الأراضي الإثيوبية تعتمد مباشرة على الزراعة المطرية.

وأضاف أن التقديرات تشير إلى استخدام نحو 148 مليار متر مكعب سنويًا من المياه الخضراء في الزراعة المطرية الإثيوبية، إلى جانب نحو 9.68 مليار متر مكعب من المياه الزرقاء المستخدمة مباشرة في الزراعة، بما يجعل إجمالي الاستخدام الزراعي المقدر للموردين يقترب من 158 مليار متر مكعب سنويًا.

وقال إن البصمة المائية لقطاع الثروة الحيوانية في إثيوبيا تقدر بنحو 85.5 مليار متر مكعب سنويًا، معظمها من المياه الخضراء المرتبطة بالأمطار والمراعي وإنتاج الأعلاف.

واعتبر الوزير أن هذه الأرقام تدحض، من وجهة النظر المصرية، القول إن إثيوبيا لا تستفيد من مواردها المائية أو أن تنميتها مرتبطة بالتحكم في المياه الزرقاء للنيل.

وأكد أن تجاهل الأمطار والمياه الخضراء والجوفية والاستخدامات الزراعية والثروة الحيوانية يقدم، بحسب قوله، صورة غير مكتملة عن حقيقة الموارد المائية المتاحة في البلدين.

وأوضح أن حديث مصر عن المياه الخضراء يستهدف النظر إلى إجمالي الموارد والبدائل المتاحة، بما يسمح بتحويل حصاد الأمطار والمياه الجوفية ورفع كفاءة الزراعة إلى مجالات للتعاون وزيادة المنافع، بدلًا من حصر التنمية في التنافس على المياه الزرقاء التي تجري في النهر.

بدائل الطاقة في إثيوبيا

وتطرق سويلم إلى ملف الطاقة، قائلًا إن إثيوبيا تمتلك إمكانات كبيرة وغير مستغلة في مجالي الطاقة الشمسية والرياح.

وأشار إلى تقديرات فنية تتحدث عن قدرات تتجاوز 50 جيجاوات في الطاقة الشمسية، وتتراوح بين نحو 30 و50 جيجاوات لطاقة الرياح، مقابل مستويات تشغيلية وصفها بأنها محدودة نسبيًا في المجالين.

وشدد على أهمية تنويع مزيج الطاقة والتوسع في مشروعات الشمس والرياح والربط الكهربائي وتجارة الطاقة الإقليمية، معتبرًا أن تلك المشروعات يمكن توسيعها تدريجيًا دون الحاجة إلى خزانات مائية ضخمة أو التحكم في توقيت تدفقات الأنهار الدولية.

«لن نسمح بتكرار فرض أمر واقع»

وأكد وزير الري أن المواطن المصري يجب أن يكون مطمئنًا إلى أن الدولة تدير مواردها المائية من خلال منظومة علمية وفنية، ولن تسمح بأن يتحمل المواطن تبعات قرارات أحادية تتخذ خارج حدود مصر.

وشدد على أن القاهرة لن تسمح، وفق تعبيره، بتكرار فرض أمر واقع جديد على النيل الشرقي، مضيفًا: «مصر دولة سلام»، لكنها تعرف في الوقت نفسه متى وكيف تتخذ رد الفعل الذي تراه مناسبًا لحماية مصالحها.

وقال إن ما حدث في عام 2011 لن يُسمح بتكراره، مؤكدًا تمسك مصر بما تعتبره حقوقها القانونية في التعامل مع أي تطورات تمس أمنها المائي.

الموقف المصري من سد النهضة

ووصف سويلم النهج الذي اتبع في إنشاء وملء وتشغيل سد النهضة بصورة أحادية بأنه «غير شرعي»، موضحًا أن هذا الوصف يعكس الموقف السياسي والقانوني المصري من الإجراءات الإثيوبية.

وقال إن اكتمال بناء السد أو مرور الزمن لا يعني، من وجهة النظر المصرية، قبول الواقع الذي تم فرضه أو سقوط حقوق القاهرة.

وأوضح أن توقيع مصر على إعلان المبادئ عام 2015 لم يكن، بحسب الموقف المصري، تفويضًا لإثيوبيا بالتصرف بصورة منفردة، وإنما تضمن التزامات تتعلق بالتعاون وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي، إلى جانب إنشاء آلية للتنسيق وتبادل البيانات والمعلومات.

وأضاف أن مصر تعتبر استمرار الملء والتشغيل دون الاتفاق على تلك القواعد إخلالًا بالالتزامات التي قبلتها إثيوبيا عند توقيع إعلان المبادئ.

«الفيضان الصناعي» و«الجفاف الصناعي»

وأكد وزير الري أن كون سد النهضة مشروعًا لتوليد الكهرباء لا يعني أن طريقة تشغيله لا تترتب عليها آثار على دول المصب.

وأوضح أن القضية لا تقتصر على كمية المياه المستهلكة، وإنما تشمل توقيت التخزين والإطلاق وكميات التصرفات وقواعد التشغيل.

وقال إن التشغيل الأحادي وغير المنسق يمكن، وفق التقييم المصري، أن يؤدي إلى زيادات مفاجئة في التصرفات المائية فيما تطلق عليه القاهرة «الفيضان الصناعي»، أو إلى خفض التصرفات بصورة قد تقود إلى ما تصفه بـ«الجفاف الصناعي»، بما يؤثر على تشغيل السدود والمنشآت المائية في دول المصب.

قواعد التشغيل «ليست ترفًا تفاوضيًا»

وشدد سويلم على أن السؤال في ملف النيل لا يتعلق فقط بما إذا كانت المياه ستصل إلى دول المصب، وإنما أيضًا بموعد وصولها والكميات التي ستصل والقواعد المنظمة لذلك.

وأكد أن قواعد التشغيل والتنسيق وتبادل البيانات والتعامل مع فترات الجفاف وإعادة الملء «ليست ترفًا تفاوضيًا»، وإنما ضرورة لإدارة نهر دولي مشترك بصورة آمنة.

وتناول الوزير تصريحات إثيوبية أخيرة قال إنها تضمنت حديثًا أكثر صراحة عن التحكم في المياه، معتبرًا أن ذلك يتعارض مع الخطاب الذي قدم سد النهضة طوال سنوات باعتباره مشروعًا للكهرباء والتنمية فقط، ويعزز، من وجهة النظر المصرية، أسباب تمسك القاهرة باتفاق قانوني ملزم.

«النهر الدولي ليس موردًا وطنيًا خالصًا»

وأكد سويلم أن سيادة الدولة على إقليمها لا تعني، بحسب الموقف المصري، امتلاك سيادة مطلقة على نهر دولي مشترك.

وأضاف أن إقامة منشأة داخل حدود دولة لا تحول المجرى المائي الدولي إلى مورد وطني خالص، ولا تمنح دولة المنبع حق التصرف المنفرد في مورد تعتمد عليه دول وشعوب أخرى.

وقال إن مياه الأنهار الدولية لا تدار بمنطق «أعطي أو أمنع»، وإنما وفق حقوق والتزامات متبادلة وقواعد القانون الدولي.

وشدد على أنه إذا أصبح المنطق هو أن لكل دولة أن تتصرف منفردة في النهر وفق مصالحها، فإن مصر بدورها ستعمل على حماية ما تعتبره حقوقها ومصالحها بالوسائل والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي.

وأكد أن الموقف المصري يقوم، بحسب تعبيره، على معادلة تجمع بين «التعاون الكامل» ودعم تنمية دول حوض النيل عندما تلتزم المشروعات بقواعد القانون الدولي، وبين «الحزم الكامل» في حماية الأمن المائي المصري ورفض فرض الأمر الواقع أو تكرار النهج الأحادي.

وأشار إلى وجود ما وصفه بنموذج تعاوني في حوض النيل الجنوبي، تقوم فيه الدول بإعداد المشروعات ودراستها وإخطار الأطراف والتشاور بشأنها قبل الانتقال إلى التمويل والتنفيذ، مؤكدًا أن مصر تدعم هذا المسار وتشارك في حشد التمويل له.

وفي المقابل، اعتبر سويلم أن ما حدث في النيل الشرقي بشأن سد النهضة، من بناء وملء وتشغيل بصورة أحادية وفق الموقف المصري، يمثل نموذجًا لا ينبغي تكراره في إدارة الموارد المائية المشتركة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى