د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. أنيس عبيد . من «سينما السفينة» في جمصة..«قرأنا اسمه ألف مرة.. ولم نقرأ حكايته بالمرة»

بدأت معرفتي بأنيس عبيد قبل أن أعرف من هو أنيس عبيد. عرفته اسمًا يمر أمام عيني على شاشة بعيدة، في صيف طفولتي، ومن مكان لم يعد موجودًا اليوم إلا في ذاكرة الذين عرفوا جمصة وهي تخطو خطواتها الأولى على شاطئ المتوسط.
في ستينيات القرن الماضي، كانت جمصة مصيفًا صغيرًا وهادئًا، لا يشبه كثيرًا المدينة التي عرفتها الأجيال التالية.
كان شريط الفيلات على الشاطئ محدودًا، لا يزيد، فيما أذكر، على نحو عشرين فيلا.
وكانت فيلتنا تحمل الرقم ١١ أ.
خلف هذا الشريط الصغير سوق متواضع، وبجواره بناء غريب وجميل، بدا في عيني طفل أكبر كثيرًا من مجرد دار للعرض.
سينما صيفية كبيرة بُنيت على هيئة سفينة.
وكان اسمها، ببساطة تليق بذلك الزمن:
«سينما السفينة».
لم يكن لدي سبيل إلى الغياب عن عروضها، حتى لو أردت. فالفيلا ١١ في منتصف شريط الفيلات ال٢٠ وبالتالي فشاشه السينما كانت خلفنا مباشره وتُرى بوضوح من الشرفة الخلفية لغرفتي، وصوتها يعبر المسافة القصيرة ليملأ الغرفة.
وهكذا تحولت شرفتي كل مساء إلى مقصورة صغيرة للسينما، بلا تذاكر ولا مقاعد مرقمة.
نجلس فيها نحن، وأفراد من الأسرة، وبعض الأصدقاء من عائلات المصيف، ونشاهد ما تعرضه «السفينة» من أفلام ولو تكررت.
كانت شاشة واحدة تجمعنا، وسماء واحدة فوق رؤوسنا، وبحر قريب يرسل إلينا رائحته وصوته بين مشهد ومشهد.
وكانت جمصة يومها عالمًا صغيرًا جدًا.
روادها بالعشرات لا بالآلاف.
يعرف بعضهم بعضًا.
الأطفال يعرفون الأطفال، والأسر تعرف الأسر. ولم تكن الفيلات مجرد بيوت متجاورة لقضاء الصيف، بل كانت، في ذاكرتي، بيتًا كبيرًا موزعًا على عائلات عدة، تعود إليه الوجوه نفسها مع بداية الصيف، ولا تغادره إلا مع نهايته.
وحدهما تقريبًا، فيلا محافظ الدقهلية وفيلا مدير مصيف جمصة، كانتا تتغير فيهما الوجوه كلما تغير المحافظ أو مدير المصيف.
أما بقية الفيلات فكانت لها وجوهها وأسماؤها التي نحفظها كما نحفظ أرقام بيوتنا.
أستعيد اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، عائلات لم تكن بالنسبة إلينا مجرد جيران في المصيف، بل جزءًا من عائلتنا الصيفية الكبيرة.
أتذكر أسرة المستشار أنور أبو سحلي، وزير العدل. وأسره المستشار فوزي مصطفى (وحرمه دريه الاسمر وأولاده نانا، وسحر ،وعمرو ) واسره المستشار كمال عبد العزيز وابنائه (سامح، وطارق وامنيه) والمستشار فتحي الشمسي وحرمه ماما الحاجه ، والاستاذ محمد هلال وانجاله (عمرو وطارق). واسره الاستاذ محمد عبد الوهاب وزوجته نبيله خضر، (ونجليه وليد وهشام)
وأسرة الدكتور عبد المنعم خزبك ، نائب دائرة الزيتون بالقاهرة(وزوجته الدكتورة هدايت..وبناته السبعه)وعائله القصبي الذي كان محافظ الغربيه -والذي سميت على اسم ابنه الاكبر ايمن-.
ومن المنصورة عائلات الطرشوبي، التي تعرفت من خلالها باسره رامي لكح وشقيقه ريمون وعائله جاويش التي كان كبيرها احمد جاويش ابرز منافسي والدي في انتخابات دائره طلخا،
وغيرها من الوجوه التي قد تخون الذاكرة في استعادة أسمائها جميعًا، لكنها لا تخون أبدًا في استعادة دفئها.
لم نكن نحتاج إلى موعد كي نلتقي.
كان البحر يجمعنا نهارًا.
وكانت «السفينة» و مطعم وحيد (فطائر العمده)، يجمعنا مساءً.
ومن شرفة غرفتي الخلفية في الفيلا رقم ١١ أ بدأت رحلات كثيرة لم أغادر فيها جمصة.
ذهبت إلى مدن لم أرها.
وعرفت شوارع لم أمش فيها.
وأحببت أبطالًا لا يعرفون بوجودي.
وسمعت لغات لم أكن أفهم منها حرفًا.
ومع ذلك كنت أفهم الحكاية.
كنت أعرف من يحب من، ومن يخدع من، ومن يهرب، ومن يعود، ومن يكذب، ومن يقول كلمته الأخيرة قبل أن تنطفئ الشاشة.
كان هناك رجل لا يظهر في أي مشهد، يفعل كل ذلك من أجلي ومن أجل ملايين غيري.
لم أر وجهه.
لم أسمع صوته.
ولم أكن أعرف أين يعيش.
لكنني كنت أعرف اسمه.
أنيس عبيد
كان الاسم يمر في بداية الفيلم و نهايته، وتصاحبه العبارة التي حفرتها السينما في ذاكرة أجيال:
«تمت الترجمة بمعامل أنيس عبيد بالقاهرة».
قرأناها مرة.
ثم عشرات المرات.
ثم مئات المرات.
حتى أصبح «أنيس عبيد» بالنسبة إلى جيلنا شيئًا أكبر من اسم شخص.
صار جزءًا من طقوس مشاهدة الفيلم الأجنبي.
لكن المفارقة أن ملايين المصريين والعرب عرفوا الاسم، بينما لم يعرف إلا القليلون صاحبه.
كان حاضرًا في كل فيلم تقريبًا، وغائبًا عن كل مشهد.
وُلد أنيس عبيد سنة ١٩٠٩ لأسرة ميسورة، ودرس الهندسة وتخرج سنة ١٩٣٢، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته.
هناك التقى العلم بشغفه القديم بالسينما.
كان منذ شبابه مولعًا بالأفلام الأجنبية. وحين كان يذهب مع أصدقائه إلى السينما، كان اتقانه للغات يضعه في مأزق طريف. يشاهد الآخرون الفيلم، بينما يقضي هو جزءًا كبيرًا من الوقت يهمس لهم بما يقوله الممثلون، ويشرح ما يفوتهم من الحوار.
كان أصدقاؤه يستمتعون بالفيلم.
أما هو فكان يدفع ثمن معرفته باللغة من متعته الشخصية.
ربما بدت المسألة صغيرة.
لكن كثيرًا من الأفكار الكبيرة تبدأ من ضيق صغير يرفض صاحبه أن يتعايش معه.
لماذا يحتاج المتفرج إلى شخص يجلس بجواره ليشرح له الفيلم؟
ولماذا تظل اللغة جدارًا بين الصورة ومن يشاهدها؟
في فرنسا تعرف أنيس عبيد إلى تقنيات دمج الكتابة على شريط الفيلم.
ورأى المهندس ما لم يره غيره.
رأى أصدقاءه القدامى في مقاعد السينما.
ورأى ملايين المتفرجين الذين لا يعرفهم.
ورأى الكلمات العربية وهي تغادر مقعد المترجم الجالس وسط الجمهور، لتستقر بهدوء أسفل الشاشة.
في تلك اللحظة، صافح المهندس المترجم.
وبدأت حكاية مختلفة.
عاد إلى مصر يحمل الفكرة، لكن الأفكار الجديدة لا تصل إلى الحياة بالسهولة التي تبدو عليها بعد نجاحها.
ما نراه اليوم بديهيًا كان يومًا مغامرة.
بدأ الرجل يترجم أفلامًا قصيرة، ويضع الكتابة أسفل الشاشة، ويقدم عروضًا خاصة مجانية ليقنع أصحاب دور السينما والمستوردين بأن الجمهور المصري يستطيع أن يدخل إلى عالم السينما الأجنبية إذا وجد لغته تنتظره هناك.
لم يتحمس الجميع.
كان هناك من يعتقد أن المصريين لن يهتموا أصلًا بأفلام الغرب.
لكن أنيس عبيد كان يرى جمهورًا لم يره المترددون.
وكان يعرف أن المشكلة ليست في الفيلم.
بل في المسافة بينه وبين المشاهد.
واللغة كانت تلك المسافة.
ثم جاء عام ١٩٤٤.
وجاء معه فيلم «روميو وجولييت».
وكان من أوائل الأعمال الكبرى التي ارتبطت بتجربته في الترجمة السينمائية العربية. جلس الجمهور أمام الشاشة، وظهرت الكلمات العربية أسفل الصورة.
حدث شيء يبدو لنا اليوم عاديًا (خاصه بعد ثورة الذكاء الاصطناعي)
،إلى حد أننا لا نتوقف أمامه.
لم يعد المشاهد محتاجًا إلى صديق يهمس في أذنه.
لم يعد مضطرًا إلى أن يخمن معنى الجملة من حركة الوجه.
أصبح يستطيع أن يرى الصورة ويفهم الكلمة في اللحظة نفسها.
نجحت التجربة.
وفُتح الباب.
ومن هذا الباب دخلت إلى ذاكرتنا آلاف الأفلام.
لكن المهندس داخل أنيس عبيد لم يكتف بنجاح المترجم.
في سنة ١٩٥٠ طور وسيلة لطباعة الترجمة العربية على أفلام الستة عشر ملليمتر، في تجربة رائدة جمعت بين معرفته الهندسية وشغفه بالسينما.
وهنا تكمن، في تقديري، خصوصية الرجل.
لم يهجر الهندسة حين ذهب إلى الترجمة.
بل أخذ الهندسة معه.
غيّر فقط ما يبنيه.
بدلًا من جسر من الحديد أو الخرسانة، بنى جسرًا من الكلمات.
جسرًا تعبر عليه الصورة من لغة إلى لغة.
وتسافر فوقه الحكاية من شعب إلى شعب.
وفي العام نفسه امتدت تجربته إلى بيروت، حيث أسس مع شريك لبناني «معامل خوري وعبيد للترجمة»، واستمرت الشراكة سنوات طويلة.
أما القاهرة فبقي فيها الاسم الذي صار مع الوقت علامة تكاد تساوي الفيلم الأجنبي نفسه:
أنيس عبيد.
أفلام أمريكية وأوروبية وهندية دخلت المعامل بلغاتها، ثم خرجت إلى الجمهور العربي تحمل أسفل صورها كلمات يستطيع أن يفهمها.
ولعقود طويلة ارتبطت معامل أنيس عبيد في مصر بترجمة جانب كبير من السينما الأجنبية.
حتى جاء وقت لم نعد نسأل فيه عمن ترجم الفيلم.
كنا نعرف الإجابة قبل أن يظهر الاسم.
وأتوقف هنا أمام شيء آخر في شخصية هذا الرجل.
كان أنيس عبيد قليل الميل إلى الظهور.
ترك عمله يتحدث عنه، بينما بقي هو خلفه.
وربما لهذا حدثت تلك المفارقة النادرة:
صار المعمل أشهر من صاحبه.
والاسم أشهر من الوجه.
والعبارة التي تظهر أسفل الشاشة أكثر حضورًا من الرجل الذي صنعها.
كان يستطيع أن يترجم حوارًا معقدًا بين شخصيتين على الشاشة.
لكنه لم يقدم لنا ترجمة لنفسه.
وهذه، في ظني، أجمل مفارقات حكايته.
ترجم كل شيء تقريبًا.. وظل هو الشخصية الوحيدة التي لم يقدم لنا ترجمة لها.
لم تكن علاقته بالعربية علاقة مهنة فقط.
كان شديد الاعتناء باللغة ودقتها، واسع الثقافة، حريصًا على القراءة. ومن التفاصيل الجميلة التي روتها أسرته أنه، وهو المسيحي المصري، كان يحفظ قدرًا من القرآن، ويرى في قراءته بابًا إلى ثراء العربية وجمالها.
وأحب هذه التفصيلة في سيرته.
ليس لأنها غريبة عن مصر، بل لأنها كانت يومًا شديدة المصرية.
مسيحي يجد في القرآن جمال اللغة.
ومهندس يجد في السينما مساحة للإبداع.
ومترجم لا يرى في لغة الآخر خطرًا على لغته، بل جسرًا إليها.
تلك مصر التي عرفناها.
مصر التي لم تكن تسأل الكلمة عن دين صاحبها قبل أن تستمع إلى جمالها.
ومع السنوات، أصبحت الترجمة جزءًا طبيعيًا من الفيلم الأجنبي.
ثم جاء التلفزيون، وأنشأ التلفزيون المصري قسمًا لترجمة الأفلام، وتبعت ذلك قنوات وتلفزيونات عربية.
وتغير كل شيء بعد ذلك.
جاء الفيديو.
ثم الأقمار الصناعية.
ثم المنصات الرقمية.
واليوم تستطيع آلة صغيرة أن تترجم في ثوان ما كان يحتاج يومًا إلى معامل وأشرطة وجهد طويل.
لكن سهولة الحاضر كثيرًا ما تظلم أصحاب البدايات.
نضغط اليوم زرًا، فننسى أن وراء هذا الزر طريقًا طويلًا حفره أشخاص لم تكن أمامهم أزرار جاهزة.
كان عليهم أن يصنعوا الطريق أولًا.
وكان أنيس عبيد واحدًا منهم.
كلما فكرت في حكايته عدت، دون قصد، إلى «سينما السفينة».
أرى الشاشة البعيدة من شرفة غرفتي.
أسمع صوت الفيلم يملأ ليل جمصة الهادئ.
أرى بعض أفراد الأسرة والأصدقاء يجلسون حولي.
وأرى طفلًا يتابع فيلمًا جاء من قارة بعيدة، ولا يعرف لغة أبطاله، لكنه يفهم كل ما يقولون.
لم يكن الطفل يعرف أن بينه وبين هؤلاء الأبطال رجلًا مصريًا لم يره قط.
رجلًا جلس يومًا مع أصدقائه في سينما أخرى، وأفسد عليه انشغاله بالترجمة متعة مشاهدة الفيلم.
فقرر، بطريقة ما، أن يحل المشكلة لأجيال لم تولد بعد.
وكان أحد أطفال تلك الأجيال يجلس في شرفة الفيلا ١١ (أ)بجمصة.
كنت أنا ذلك الطفل.
رحل أنيس عبيد سنة ١٩٨٨. وانشر طي هذه السطور صورته الوحيده تقريبا
فبعض الناس لا يقاس حضورهم بعدد الصور التي تركوها.
هناك من يملأ الصور ويغادر الذاكرة.
وهناك من يكاد يغيب عن الصور، ويبقى أثره.
أنيس عبيد من هؤلاء.
لم يكن نجمًا على الشاشة.
كان الرجل الذي جعلنا نفهم النجوم.
لم يمثل دورًا في فيلم.
لكنه كان حاضرًا في آلاف الأفلام.
لم ننتظر ظهوره في المشهد.
كنا ننتظر الكلمات التي وضعها أسفله.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن على ليالي «سينما السفينة»، أكتشف أن ذاكرتي لم تحتفظ بالأفلام وحدها.
احتفظت برائحة بحر جمصه .
وبهدوء جمصة.
وبالفيلات القليلة.
وبالعائلات التي كانت تشكل عائلتنا الصيفية الكبيرة.
وبالشرفة الخلفية لغرفتي.
وبتلك الشاشة التي كانت تصلني من بعيد.
واحتفظت أيضًا باسم رجل لم أكن أعرف عنه شيئًا.
أنيس عبيد.
قرأنا اسمه ألف مرة..ولم نقرأ حكايته بالمرة .
وربما جاء الوقت لنفعل.
أغمض عيني الآن، فأعود إلى جمصة القديمة.
البحر قريب.
والليل هادئ.
والحب الطفولي الصافي.
و«السفينة» تستعد لعرضها الأخير.
تظهر الصور.
تتحرك الوجوه.
تأتي الكلمات العربية أسفل الشاشة.
ثم ينتهي الفيلم، وتنسحب الشخصيات واحدة بعد أخرى، ويبقى الاسم الذي لم نكن نعرف صاحبه.
أنيس عبيد .
الرجل الذي ترجم لنا العالم، ولم يقدم لنا ترجمة لنفسه.
انطفأت شاشة «السفينة» منذ زمن، وغادر روادها مقاعدهم واحدًا بعد آخر، وتغيرت جمصة، وتغيرنا معها.
لكن شيئًا واحدًا بقي كما كان في ذاكرة ذلك الطفل الجالس في شرفة الفيلا ١١ أ:
اسم الرجل الذي كان يسكن أسفل شاشة «السفينة».. وما زال مضيئًا في ذاكرتي حتى اليوم.







